المنخفضات الجوية تفاقم معيشة عمال المياومة في تونس
Arab
2 hours ago
share
منذ نحو أسبوعين، لا يستطيع فوزي الرحماني (44 عاماً) وضع "بسطة" الخضار في سوق "الدندان" القريب من العاصمة تونس بسبب الأمطار، مما يحرمه من كسب يومي يعيل به أسرته المكونة من خمسة أفراد. ول الرحماني في حديث لـ"العربي الجديد": "إنه كسائر التونسيين يستبشر بالأمطار، لكن السيول والفيضانات التي اجتاحت أحياء كثيرة تجرّ معها أزمة صامتة تطاول آلاف عمال المياومة الذين يعيشون على هامش سوق العمل". وأضاف: "تتحول التقلبات المناخية إلى عامل إضافي يضاعف معاناة فئة تعتمد في قوت يومها على العمل الظرفي، دون عقود أو حماية اجتماعية أو دخل قار". يمثل العمل بالمياومة أحد أبرز ملامح الهشاشة في سوق الشغل التونسية؛ إذ يقدَّر عدد العاملين خارج الأطر القانونية والضمانات الاجتماعية بمئات الآلاف، ينشط أغلبهم في قطاعات البناء والزراعة والأشغال العامة والنقل غير المنظم والخدمات البسيطة. ويؤكد التاجر المتجول بسوق "الدندان" أن هذه القطاعات، بطبيعتها، شديدة التأثر بالعوامل المناخية، مما يجعل فصل الشتاء فترة ركود قسري للعديد من العمال. وخلافاً للقطاعات المنظمة التي تستفيد من استمرارية الأجور أو آليات التعويض، يجد عمال المياومة أنفسهم فجأة بلا مورد رزق مع أول تساقط للأمطار أو انخفاض حاد في درجات الحرارة. ويتابع الرحماني: "إذا لم نشتغل اليوم لن نجد قوت الغد"، وهي عبارة تختزل واقع آلاف الأسر التي يرتبط دخلها اليومي بحالة الطقس. في ورشات البناء، تتوقف الأشغال خلال أيام المطر لأسباب تتعلق بالسلامة أو بعدم توفر المواد الجافة، فيما يشهد النشاط الفلاحي تراجعاً كبيراً خلال موجات البرد والصقيع. أما عمال الأرصفة والأسواق المفتوحة، فيتقلص نشاطهم بشكل شبه كامل مع عزوف المواطنين عن الخروج. هذا التوقف القسري لا يقابله أي تعويض مالي أو دعم اجتماعي، وهو ما يدفع العديد من العمال إلى الاستدانة أو تقليص مصاريفهم الأساسية، بما في ذلك الغذاء والعلاج والتعليم. وتزداد الأزمة حدة لدى من يعيلون أسراً موسعة أو يسكنون في أحياء تفتقر للبنية التحتية والخدمات الأساسية. تكشف هذه الوضعية محدودية السياسات العمومية في التعامل مع العمل الهش، إذ لا يزال عدد كبير من عمال المياومة خارج منظومة التغطية الاجتماعية والتأمين ضد حوادث الشغل أو فقدان الدخل. وتكشف دراسة رسمية للمرصد الوطني للتشغيل والمهارات والمعهد الوطني للإحصاء أن نسبة التشغيل غير المنظم في تونس وصلت إلى 36% من إجمالي النشاط الاقتصادي، بواقع 39% لدى الرجال و27% لدى النساء. وتشمل مجالات انتشار العمل غير المنظم قطاعات الفلاحة والبناء والأشغال العمومية والتجارة والخدمات الاجتماعية، التي تستوعب 80% من هؤلاء العمال. ويؤكد المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، أن نقص الحماية الاجتماعية يعرض فئات واسعة من عمال المياومة ممن لا تشملهم التغطية الطبية أو ضمان فقدان الدخل إلى الهشاشة المفرطة، مما يجعلهم أكثر عرضة لتبعات التقلبات الجوية والفصول الصعبة. ويقول بن عمر إن المنخفضات الجوية باتت "كاشفاً اجتماعياً" يفضح اختلالات سوق العمل، ويبرز الحاجة إلى إدماج البعد المناخي في السياسات التشغيلية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تجعل الظواهر الجوية القصوى أكثر تكراراً. وأضاف: "أمام غياب آليات رسمية للحماية، يعتمد عمال المياومة غالباً على التضامن العائلي أو الجوار لتجاوز فترات التوقف، غير أن هذا الحل يبقى محدوداً، خاصة في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة". واعتبر المتحدث أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تعميق الفقر، وارتفاع نسب الانقطاع عن الدراسة، وتنامي العمل غير المنظم، لافتاً إلى أن معالجة هشاشة العمل الموسمي لم تعد مسألة اجتماعية فحسب، بل أولوية اقتصادية لضمان الاستقرار الاجتماعي. وقال بن عمر إن "الحكومة مطالبة بتهيئة أرضية اجتماعية تحمي الفئات الهشة عبر صندوق لصرف التعويضات يموَّل من الضرائب أو الهبات"، مشيراً إلى أن مقاومة العوز أصبحت أولوية مطلقة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows