القاهرة التاريخية تتجمّل للمستثمرين... والدفع بالدولار
Arab
2 hours ago
share
تقود مؤسسات حكومية مصرية وأخرى تابعة لشركات خاصة ومطورين عقاريين، سباقاً محموماً يستهدف وفق الرؤية الرسمية "إعادة تجميل القاهرة التاريخية كعروس لمدن الشرق" وسط مخاوف خبراء من تفريغ العاصمة القديمة من أهلها، تمهيداً لبيعها لشركات دولية ومن يملكون المال الذي يسيل له لعاب حكومة متعطشة للسيولة. يجاري ملاك عقارات ومستثمرون السباق الحكومي بتأهيل المباني أو عرضها على حالتها للبيع لمن يقدر على دفع القيمة على عجل مع منح أولوية للدفع النقدي بالدولار. في وقت يزداد العرض من قبل الحكومة والقطاع الخاص، توسعت أعمال البيع التي تديرها شركات محاماة وسماسرة، وصفحات عديدة أنشئت مؤخراً للترويج لعمليات البيع على وسائل التواصل الاجتماعي. على تلك المنصات يعرض أيمن عبد القادر، أحد ملاك عقار شهير ذي طراز معماري متميز بميدان التوفيقية المطل على أكبر شارعين تجاريين بوسط القاهرة "طلعت حرب وسوق التوفيقية"، لبيعه بما فيه من شقق ومحلات ومخازن شاغرة وأخرى مستأجرة بعقود تنتهي بعد بضع سنوات، طالباً 280 مليون جنيه في العقار الواقع على مساحة 820 متراً، و8 طوابق. في اتصال مع "العربي الجديد" يؤكد عبد القادر أن تغيير الحكومة لقوانين الإيجار فتح المجال أمام أصحاب العقارات لاستثمارها من جديد، إما بالبيع أو المشاركة على تطوير المساحات الشاغرة لتحويلها إلى مشروعات فندقية وتجارية، ما فتح آمالاً على الخطط التي تروج لها الحكومة لتحويل وسط العاصمة إلى فنادق ومزارات سياحية وتجارية، محظورة أمام وسائل النقل التي تثير الزحام. على النقيض من ذلك، يرى أصحاب المحلات التجارية بالعقار أن الحكومة تحملهم تكلفة عمليات التطوير بالكامل، وتلاحقهم بمزيد من الضرائب جراء وقوعهم في دائرة منطقة سياحية، وذلك قبل أن تنتهي من استكمال مخططها، مؤكدين أنه رغم أهمية تحويل تلك المباني إلى مشروعات فندقية وسياحية، فإن القدرة الشرائية للمواطنين -وهي الضامن الوحيد لاستمرار أعمالهم التجارية على مدى العام- تراجعت، فتدفعهم إلى بيع المنتجات والخدمات الشعبية الأقل ربحية، وفي الوقت نفسه يتحملون زيادة تكلفة الإيجارات ويتعرضون للطرد من أماكنهم وفقاً لقانون الإيجارات الجديد. ويشير هؤلاء إلى أن كثرة الترويج للبيع عبر السماسرة والمنصات رفعت أسعار البيع للمحلات والعقارات بكافة الأحياء الخاضعة للتطوير، حيث تُعرض منازل بمناطق شعبية ذات طابقين بأسعار خيالية تزيد عن 40 مليون جنيه لقربها من مساجد شعبية وسط مناطق تاريخية، الأمر الذي أدى إلى ضغوط هائلة على أسعار تأجير المحلات والسكن في تلك المناطق التي تضم ملايين الأسر ذات الدخل المتوسطة والمحدود. في جولة ميدانية وسط العاصمة على مدار اليومين الماضيين، رصدت "العربي الجديد" إلزام المحلات التجارية بكتابة لافتات باللغة الإنكليزية، مع عدم وضع أية منتجات خارج أماكنهم، دون رقابة أمنية دائمة تسمح بانتشار الباعة الجائلين بكافة الشوارع في الفترة المسائية، حيث يكثر المشترون وتختفي الأجهزة الرقابية والأمنية، بما يهدد مستقبل مشروعات التطوير برمّتها. تحت شعار "تحويل منطقة القاهرة التاريخية إلى مقصد سياحي" يجري تفريغ العقارات القديمة من السكان، بعد تعديل حكومي لقانون الإيجارات، يقر تحرير العلاقة الإيجارية بين الملاك والسكان خلال 7 سنوات، مما دفع باقي ملاك القاهرة التاريخية إلى سباق آخر لبيع الأصول التي لم تسترد من سكانها حتى الآن، وطرحها للبيع أمام كبار المستثمرين الأفراد والشركات. تسبب الزخم الكبير بتنفيذ عمليات الترميم والتجميل التي انتشرت بين الأحياء دفعة واحدة، إلى زيادة طلب المستثمرين على شراء المباني والمنشآت بكافة أنواعها، دعمتها تدخلات الحكومة بإزالة المنشآت العشوائية والباعة الجائلين المنتشرين بالقوة الجبرية، بما يهيئ فرصاً واسعة أمام المشترين الجدد في استغلال المناطق المحدثة بأريحية واسعة. سمحت الحكومة لوزارة المالية ببيع القطاع الخاص أو مشاركته في امتلاك كافة الأراضي الشاغرة والتي سيجري هدمها بالقاهرة الفاطمية والخديوية واستثمارها، بالتوازي مع الموافقة لشركة "وطنية" التابعة للجيش على تحويل المناطق المحيطة بنهر النيل في العاصمة إلى مراكز تجارية وخدمات سياحية خلال العام الجاري. وفقاً لبيانات رسمية، تسعى الحكومة إلى تحصيل ما بين 10 مليارات إلى 15 مليار دولار من عوائد البيع والاستثمار خلال مدة تصل إلى 10 سنوات، يراها الخبير الاقتصادي أحمد خزيم غير كافية لمواجهة أزمة الدولار التي تعمل الحكومة على حلها ببيع الأصول العامة التي تمثل إرثاً هائلاً للمصريين، مشيراً إلى أن تعهد الحكومة بتأمين فروق سعر الصرف في حالة تعرض الجنيه للتراجع أمام الدولار جعل الدولة تتحمل مخاطر سعر الصرف بدل المستثمر الأجنبي، الذي أصبح يستخدم مدخرات البنوك من العملة الصعبة من الدولار في تطوير تلك المنشآت دون أن يضيف للدولة أية عوائد جديدة، بينما يحصل على عوائد التشغيل بالدولار ويمكنه تصدير فوائضه المالية للخارج وقتما شاء وبدون قيود مالية. يشير خزيم لـ "العربي الجديد" إلى أن ضغوط صندوق النقد الدولي على الحكومة لبيع الأصول العامة في حدود 3 مليارات دولار خلال العام المالي الجاري 2025-2026، دفعها لتسريع عمليات البيع والتصفية للأصول التي أغلبها تاريخية، عبر طروح مباشرة لكبار مستثمرين أو إدراج حصص في البورصة لجذب سيولة من النقد الأجنبي تمكنها من مواجهة أزمة الديون التي وضعت فيها البلاد على امتداد سنوات، مذكراً بأن خطة البيع تستهدف المزيد من الشركات والأصول بقيمة 2.1 مليار دولار خلال العام المالي الجديد 2026-2027، بما يعكس استمرار خطط البيع لتغطية العجز السنوي في الموازنة العامة وسداد التزامات الديون الأجنبية المرتفعة والحفاظ على استقرار سعر الصرف. أكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال تفقده الأخير لمشروع تطوير القاهرة التاريخية، أنه مشروع يسابق الزمن لإعادة إحياء الهوية التاريخية، وللحفاظ على معالم الحضارات والتراث الذي خلفه المصريون في كل حقبة زمنية عبر العصور، وتخفيف الزحام عن العاصمة، وترسيخ القاهرة وجهةً سياحية وثقافية عالمية. يمتد السباق على تنفيذ مشروعات التطوير الحضاري في دائرة محيطها 10 كيلومترات مربعة، حيث تقع مدينة الفسطاط التي كانت أول موطئ لقوافل المسلمين مع تأسيس القائد عمرو بن العاص لأول مسجد في مصر وأفريقيا، وعلى مقربة منها أحياء قلعة صلاح الدين والطرق الممتدة بين مركز مقر الحكم لنحو 1000 عام امتداداً لحي الدرب الأحمر والجمالية حتى القاهرة الخديوية وقصر عابدين الذي أصبح مقراً للحكم منذ قرن ونصف القرن، وما بينهما من شوارع وميادين. رغم استهداف القاهرة الخديوية بعمليات تطوير منذ سنوات، فإن السباق على تجميل مباني العاصمة وشوارعها زادت حدته ليشمل كافة الأحياء، عقب إعلان الحكومة عن رغبتها في تحويل وسط العاصمة إلى منطقة فندقية وتجارية مغلقة أمام السيارات، قادرة على استيعاب 25 ألف غرفة فندقية تمكنها من مواجهة الطلب المتزايد على السياحة في منشآت قائمة، لمواجهة العجز الشديد في الطاقة الفندقية والقصور في النقل السياحي، مع تسهيل حركة السائحين للعيش في منشآت بمستوى 3 و4 و5 نجوم. أسندت الحكومة المنشآت المملوكة للوزارات والمكاتب الرسمية إلى الصندوق السيادي لطرحها للبيع والاستثمار الفندقي والخدمات التجارية. وافقت الحكومة لوزارة قطاع الأعمال -التي تدير المحفظة المالية لشركات التأمين والسياحة والفنادق ومراكز البيع والتي آلت لملكية الدولة عبر تأميم البنوك وممتلكات عائلات ثرية ومقار شركات صناعية ومالية وتجارية منها عمر أفندي وهانو وبنزايون والصالون الأخضر وشيكوريل والملابس والملاحة والنقل خلال فترة التأميم ستينيات القرن الماضي- على تحويل ثرواتها العقارية بوسط العاصمة لمشروعات فندقية وتجارية، يجري افتتاحها تباعاً اعتباراً من يناير الجاري.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows