Arab
يواجه النظام الدولي الحالي خطر الانهيار في أي لحظة، بعد أن أصبح العالم كعكةً بين يدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومن ورائه مراكز القوة والهيمنة في الولايات المتحدة. ولأول مرة، منذ عقود، تصبح مفاهيمُ مركزيةٌ في العلاقات الدولية، وبالأخص السيادة والقانون الدولي، موضعَ تساؤلٍ، في ظل سعي الإدارة الأميركية إلى إعادة صياغتها وتعريفها خارج مؤسسات النظام الدولي، من دون اكتراثٍ لما قد يتسبّب فيه ذلك من تزايد حدّة التوترات الجيوسياسية في أكثر من منطقة.
وفي وقت كان يُعتقد أن عصر الإمبرياليات الكبرى قد ولّى إلى غير رجعة، جاءت سياسات ترامب لتفتح فصلا جديداً في إعادة رسم خريطة القوة والهيمنة في ضوء نظام دولي جديد، ينبني على اقتسام مناطق النفوذ مع الصين وروسيا، مع تحويل أوروبا إلى فاعل ثانوي في إدارة هذه المتغيرات.
وعلى الرغم من أن نذر تفكّك النظام الدولي القائم كانت قد بدأت تلوح منذ بداية الألفية الجديدة، إلا أن لا أحد كان يتوقع أن ينعطف هذا النظام إلى هذا المآل الدراماتيكي، بدءا بالهجوم الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها واقتياده لمحاكمته في الولايات المتحدة، مرورا بالأطماع الأميركية المتزايدة في جزيرة غرينلاند، وانتهاءً بتأسيس "مجلس السلام" المثير للجدل. يتعلق الأمر بقطيعةٍ داخل نسق العلاقات الدولية، يُستعاض فيها عن التفاوض آليةً لتدبير الاعتماد المتبادل بين الدول، بالسلام المفروض بالقوة، ولا شيء غير القوة. ويضع هذا ذلك الدول المتقدمة والصاعدة والنامية أمام مخاطر جيوسياسية تهدد وجودها واستقرارها ومستقبلها، وقد تتحوّل، في أي لحظة، إلى حروب إقليمية ودولية لا تُبقي ولا تذر.
بالطبع، من السذاجة الاعتقاد أن التغوّل الأميركي الحالي يرتبط بشخصية ترامب، الذي ما فتئ يعبّر عن طموحاته القومية بما يعيد للولايات المتحدة عظمتها، وفق تعبيره؛ يرتبط الأمر بسياسة أميركية متكاملة، تُشارك في صنعها ورسم معالمها مراكز القوة والنفوذ الكبرى في الولايات المتحدة، في اتساقٍ تامٍّ مع المصالح الأميركية العابرة للحدود والقارّات. وبذلك، يعكس الترهيبُ الاقتصادي الذي ينتهجه ترامب في المحافل الدولية، في الواقع، توسّع الرأسمالية المتوحشة، التي يبدو أنها ضاقت ذرعاً بقواعد القانون الدولي، وتتطلع إلى التخلص منها واستبدالها بعلاقات قوة جديدة تُحدّدها حاجات الولايات المتحدة المتزايدة من الثروات الطبيعية والمعادن النادرة التي يتطلبها اقتصاد الصناعات التكنولوجية والعسكرية الجديدة.
ترامب هو العنوان الأكثر دلالة ورمزية لهذه الرأسمالية في طورها الحالي، حيث لا تعدو الدول، بما فيها الدول الأوروبية، أن تكون مجرّد إحداثياتِ مواقع وخرائط وجود هذه الثروات والمعادن. من هنا دلالةُ إصراره على انسحاب بلاده من منظمات دولية مرموقة؛ هناك رفض متنامٍ في مختلف مواقع القرار في الولايات المتحدة لقيامِ نظامٍ دوليٍّ متعددِ الأقطاب ومتوازن. ولذلك لم تعد إدارة ترامب تجد حرجاً في إعلان قطيعتها مع السياسة القائمة على ربط التدخل العسكري، في هذا البلد أو ذاك، بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهو ما عكسته، بوضوح، استراتيجيةُ الدفاع الأميركية (2026) الصادرة عن البنتاغون، الأسبوع الماضي، في تأكيدها على تبنّي "الواقعية الصارمة" بدل "المثالية الطوباوية"، بما يعنيه ذلك من إعادة تعريف السياسة الخارجية الأميركية وإعادة جدولة أولوياتها.
وفي سياقٍ لا يخلو من مفارقة، كشفت هذه " الثورة الأميركية" في العلاقات الدولية نفاق الدول الأوروبية، التي فجأة اكتشفت أهمية احترام قواعد القانون الدولي، في مقطعٍ يؤكد ازدواجية معاييرها في التعاطي مع القضايا والأزمات الدولية. إن سيادة الدنمارك على غرينلاند، التي يُزايد بها الأوروبيون اليوم، لا تختلف عن سيادة دولٍ كثيرةٍ في الجنوب داسوا عليها في أكثر من مناسبة. إن فائض القوة الأميركية الذي يتطلع ترامب إلى تصريفه في غير منطقة، هو نفسه فائض القوة الذي طالما استأسدت به دول أوروبية كبرى على دول مستضعفة في الجنوب، وأجبرتها على الخضوع لترهيبها السياسي والعسكري والاقتصادي. مع فرقٍ قد لا يكون كبيراً في يافطة "الشرعية" المرفوعة.
