Arab
رغم كل الآلام التي سببتها النزاعات داخل الجغرافيا السورية، منذ كنس نظام بشار الأسد، وبالرغم من حجم الانتهاكات الكبير الذي جرى في السابق، سواء في جبل العرب محافظة السويداء، أو كذلك في الساحل السوري، إلا أن ما يجري في شمال شرق سورية، وهذه الدروس المستفادة، التي امتلكتها الحكومة السورية، ومن ثم الاشتغال حثيثاً على الإقلال ما أمكن من حجم الضحايا المدنيين، والجنوح إلى الحل السلمي ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، بديلاً عقلانيّاً سياسيّاً ووطنيّا منفتحاً، تستعيض فيه الحكومة عن كل الحروب المحتملة، وخصوصاً بعد إصدار المرسوم الرئاسي 13 الذي يخص الإثنية الكردية، وبالتالي منحهم الكثير مما كانوا يحلمون به، إلا أن الأيام المقبلة وتمديد الهدنة فترة كان سقفها 15 يوماً، يشي باحتمالاتٍ كثيرة، وتوقعاتٍ عديدة، حيث يتبادر إلى الذهن سؤال مهم، طالما كان وارداً وحاضراً في مخيال السوريين جميعاً، مفاده: إذا كانت مهلة التسعة أشهر التي منحت لتنفيذ اتفاق 10 مارس (2025) لم تنتج شيئاً ولم تؤت أُكلها، ثم الأربعة أيام التي منحت لاتفاق 18 يناير (2026) لم تلبِّ أي تنفيذ عملي، فهل يمكن لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن تلتزم أو تنفذ أي بند في هذه الاتفاقات، وقبل انتهاء التمديد أسبوعين، بما يدفع إلى تنفيذ الاتفاق الأخير، ومن ثم تنفيذ كل ما تبعه من تفاهماتٍ أخرى؟
سؤال محوري وحقيقي بواقعيته، ولا بد من محاولة الإجابة عنه، من حيث إن مصائر الوطن السوري، كما يبدو، باتت مرتبطة بشكل أكيد بما يمكن أن يسفر عنه الوضع الجديد شمال شرق سورية، بعد أن أثبتت الحكومة السورية، وكذلك الجيش، القدرة على تنفيذ الاتفاقات بأقل الخسائر الممكنة في صفوف المدنيين، خصوصاً أن من يرعى هذه التوافقات والاتفاقيات هي الإدارة الأميركية نفسها التي رعت سابقاً وما زالت نشوء "قسد" واستمرارها ونواتجها العسكرية والمدنية، منذ عام 2015 بل يزيد.
ما يتبدّى ويتمظهر على السطح أن الأميركان ذاهبون جدّيّاً هذه المرّة إلى حالة جديدة في إنفاذ الاتفاقيات، والدعم الحقيقي لوحدة سورية، وبالتالي، دمج كل مخلفات تنظيم قسد ضمن إطار الدولة السورية الموحّدة، على أن تكون سورية المقبلة دولة محورية مهمة في المنطقة وذات سيادة، ومتوافقة مع المحيط الإقليمي بشكل عام، بما فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي التي مازالت متربصة بالسوريين، وتتابع تنفيذ انتهاكاتها في المنطقة العازلة السورية التي احتلتها بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومازالت تقترف ذلك بكل صلف وعربدة، رغم التفاهمات الأولية التي توافقت فيها مع الدولة السورية في اجتماعات باريس أخيراً.
يتطلع السوريون إلى إنجاز وحدة سورية، ولا يريدون حروباً جديدة
تفيد كل المؤشرات في المشهد السوري الآني بأن وحدة سورية أرضاً وشعباً أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإنجاز، وأن كل المشاريع الانفصالية الهجرية في الجنوب، أو القسدية شمال شرق سورية، لم تعد ممكنةً ضمن آليات الاشتغال السوري الجاد على إعادة إنتاج سورية الواحدة الموحدة، وأن مهلة الأسبوعين التي جرى منحها لتنظيم قسد سوف تُؤتي أُكلها سلماً أو حرباً، ولن يكون أمام "قسد" من خيارات أخرى للمماطلة أو التسويف، حيث أصبحت فكرة الفيدرالية المطروحة منها أو ما يسمونها اللامركزية السياسية، من الماضي، وليس هناك من إمكانية لاستمرار إعطاء المهل والتمديدات، بعد أن أشارت الإدارة الأميركية علناً إلى أن الدور الوظيفي الذي كان منوطاً بتنظيم قسد قد انتهى، وأن العلاقة الأميركية والغربية عموماً في هذه الآونة هي مع الدولة المركزية السورية والحكومة السورية الجديدة، التي تمكّنت من كنس نظام الاستبداد المشرقي الأسدي، وأخرجت إيران من المنطقة والجغرافيا السورية بكليتها، من دون بخس للكرد وحقوقهم، وهو ما سبق وأصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومه على أساسه، والذي سبق بأيام قليلة الإعلان عن اتفاق 18 يناير (2026) ببنوده الـ 14، والتي لا يبدو أن أحداً في وارد التنازل عنها، هذه البنود التي تبنّتها أميركا والحكومة السورية الجديدة، ويصرون جميعا على تنفيذها بنداً بنداً، لأهميتها في بناء مستقبل الكرد وكل سورية وأيضاً المنطقة، بعد أن وقّع زعيم "قسد"، مظلوم عبدي، على الاتفاق المذكور بأحرفه الأولى والتفاهمات التي تلته.
رب قائل يقول: هل سيسمح قادة حزب العمّال الكردستاني الذين يسيطرون على قرار قوات سوريا الديمقراطية، ومن ثم قرارات عبدي بتطبيق هذه الاتفاقات، وبالتالي الانتهاء من كل هذه الإشكالات المتتابعة سلماً لا حرباً، وهم الذين يرسلون تباعاً القوات الكردية المدرّبة لدعم "قسد" وإقامة صرح "روج آفا"، وحلمه ومن أجل خوض الحرب المنتظرة حسب رؤيتهم، مع الحكومة السورية، وهذا الاحتمال بالتأكيد وارد، والوارد أيضاً أن الحكومة السورية وبدعم أميركي ما زالت مصمّمة على إنهاء الملف شمال شرق سورية، وتوحيد سورية، ولا مجال أبداً (كما ترى حكومة دمشق) للمساومات، وسوف يلتحق بإنجاز هذا الملف العمل على الخروج من عنق الزجاجة، بما يخصّ ملف الجنوب، وتفيد تسريبات كثيرة باحتمالات قريبة لزيارة شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء، حكمت الهجري، الولايات المتحدة، بعد أن سبقه الى ذلك آخرون من قادة الدروز السوريين متحالفين مع الدولة السورية الجديدة.
يتطلع السوريون إلى إنجاز وحدة سورية، ولا يريدون حروباً جديدة، ولا دماء ولا ضحايا. ولكن هل يعني هذا أن وحدة الجغرافيا السورية أصبحت على الأبواب؟ يبدو ذلك. ويبدو أيضاً أن ملفاتٍ كثيرة في طريقها نحو الحل، رغم صعوبة التحدّيات، وهي كثيرة ومريرة.
