بيت إدوار الخرّاط ... في مئويته
Arab
2 hours ago
share
في شارع هادئ في الزمالك كنا نلتقيه مساءً كل أسبوع، وفي قلب كل زائر منا، بينه وبين نفسه، وكأنه يحادث نفسه من خلال ترحيب إدوار به على مدخل الباب باسمه، أنه هو الأثير لديه؛ رجلٌ يلاقيك وهو في كامل انتباهه وترحيبه وسروره بك وأنت ما زلت في مدخل الباب، لا غربة ولا غرابة ولا كآبة مصطنعة ولا عبوساً ولا تكلفاً، وكأنك صاحبه القديم، وتلاقيك المكتبة والراديو على إذاعة البرنامج الثاني وموسيقاه، وخريطة الأدب وحكاياته ونزقه وحوارات القاهرة كلها وسامرها في كف يده، ويضحك ضحكته الأثيرة، ويأتي الشاي وبعض هداياه من الكتب إن كان لديه، وكأنه قد هيّأ نفسه منذ صغره أن يعيش للكتابة بلا مبالغاتٍ كبيرة من أي نوع عن دوره أو أستاذيّته، أو مهامّه، أو صد الهجوم عليه، والذي قد صار صنعة للبعض، بل كان يجلس معك كندٍّ ومنافسٍ ومهموم، لا صاحب فضل أو مكانة أو حظوة. كتب عني مرّات بشكل أخجلني وأربكني معاً، وخصوصاً دراسته المطولة عني في مجلة الثقافة الجديدة. وكان له الفضل الكبير في ترجمة قصتي "صيّاد في خص" للفرنسية بواسطة المترجمة كاترين فرح، وأنا غائبٌ عن الساحة الأدبية تماماً أعمل في عُمان. وعند عودتي، كانت أجمل هدية منه لي من دون أن يقول لي ذلك أبداً أو حتى يلمح به، وقد عرفت ذلك من غيره بعد سنوات. له الفضل في قوة الدفع النبيل لثلاثة أجيال من كتّاب القصة والشعراء خلال حياته، وهم جيل السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، ولا ننسى دوره الرئيس مع الشاعر والفنان أحمد مرسي في مجلة جاليري 68، ودورها العظيم مع جيل الستينيات بحساسيتهم الجديدة التي دخلت رافداً جديداً في القصة القصيرة المصرية، بعيداً عن التيمة التي استهلكتها كتابات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وظل إدوار الخراط يعاقب في المجالس من كهنة الأجيال القديمة على ذلك الدور الطليعي الذي لعبه في الأدب، وخصوصاً من يوسف إدريس، وعلّ ذلك كان طمعاً من يوسف إدريس كي يصوّر لنفسه وللوسط الأدبي أنه الوحيد الذي ساند كتاب جيل الستينيات، وخصوصاً في كتابته عن الراحلين يحيى الطاهر عبد الله وصنع الله إبراهيم. كان إدوار الخراط بعيداً عن فكرة "عمودية الأدب"، مثل نجيب محفوظ ببساطته، ويحيى حقي بمحبّته وأبوته. كان بحسّه النقدي الرائع ذكياً في قراءة النصوص ويقظاً، لأنه كان يعتبر ذلك مهنة جليلة تضاف له كاتباً كبيراً تمهل كثيراً حتى دفع بإبداعه، فكان في المقدمة، وخصوصاً في "محطة السكة الحديد"، و"الزمن الآخر" و"رامة والتنين"، حتي بات بعد السبعين مع نجيب محفوظ يغرّدان في سماء السرد المصري، علاوة بالطبع على ترجماته الرائعة، مثل "الحرب والسلام". مرّ إدوار بتجربة سياسية في بدايته، سجن من خلالها، وهو كصعيدي عنيد هاجر أجداده إلى الإسكندرية في بدايات القرن العشرين، كان ينظر إلى العمل في حد ذاته، وإلى الشقاء، وإلى الاستمرار في الحياة من دون النظر خلفه. واصل أيضاً عمله في "الآفرو آسيوي" مترجماً، وكان له ذلك الدور الرائع مترجماً في حادثة خطف الطائرة المصرية من قبرص بعد اغتيال يوسف السباعي في مؤتمر هناك، وكأن إدوار الخرّاط قد انتخبته الأحداث كي يكون شاهداً عليها. وظل الرجل يواصل عطاءه الأدبي في نزاهة، حتى أصابه الزهايمر اللعين، وكان الراحل الكاتب الطيب سعيد الكفراوي في كل جلسة له معنا يقول قولته الشهيرة: "لازم تزورا إدوار يا جماعة". كنتُ أتهيّب من زيارة رجل كان يقابلني وهو في كامل انتباهه، وكم تخيلت ذلك، وفي نهاية الأمر، خفت وتراجعت، حتى أن أدقّ على بابه، فكيف إن فعلتها وخرج عليّ من الداخل رجلٌ وقد نسيني تماماً وشطبت من ذاكرته. كان ذلك هيناً على نفسي أن ألاقيه، ولم يكن هيناً عليّ أن أرى إدوار الخرّاط هكذا، وظلت مماطلتي تطول أكثر من سنة، حتى رأيت إدوار نفسه بشحمه ولحمه وفي كامل هندامه في قاعة الأوبرا يقف منتبهاً، وفي يده كما يفعل دائماً بعض كتب مؤتمر الرواية؟ وبجواره فيصل دراج؛ لم يسبق لي التعرف إلى فيصل، ولكن وجود إدوار واقفاً في كامل هندامه، وكأنه كان يتحدث مع فيصل، ووجود الكتب في يده أوحى لي وكأن إدوار قد شفي من مرضه، أو هكذا أوحى إلي هذا حبّي له، وإذا بي أقرب من الاثنين فأجدهما لا يتحدثان في أي شيء، وإدوار صامتٌ في وحدته. سلّمت على فيصل الذي لا يعرفني قط، فسلّم هكذا من دون أن ينتبه، سلّمت على إدوار، فمر سلامي عليه وكأنه لا يعرفني أبداً، فمشيتُ إلى أقرب زحام في المكان كي أدسّ فيه نفسي. ... كل مائة سنة يا عم إدوار وعملك الطيب معنا.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows