طبقات اللون والكلمة في لوحات هيمت محمد علي
Arab
1 day ago
share
تتناثر كلمات الشاعر السوري أدونيس، المكتوبة بخط يده، على مساحات اللوحات التي يرسمها الفنان العراقي الكردي هيمت محمد علي، لا بوصفها شروحاً مرافقة أو تعليقات هامشية، بل عنصراً بصرياً قائماً بذاته، تبرزه أعمال معرض "مقامات العشق"، الذي تقدمه منصة "ذات" للفنون على هامش الدورة السابعة من معرض "آرت كايرو"، التي اختتمت، أمس الاثنين، في المتحف المصري الكبير بالقاهرة. يدخل الفنان مع القصائد في عملية تركيب معقدة تقوم على ثلاث طبقات واضحة، هو يرسم أولاً، ثم يختار مقاطع من ديوان "مقامات العشق" مكتوبة بخط يد الشاعر، ليقوم بطباعتها على اللوحة باستخدام تقنية الطباعة الحريرية (السلك سكرين)، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الرسم فوق النص. هكذا تتشكل كل لوحة، سواء كانت على الورق أو القماش أو ضمن ما يُعرف بـ"آرت بوكس"، مثل حقل تتراكب فيه طبقات المعنى، لا بوصفها مستويات زمنية منفصلة، بل حالة واحدة متداخلة. هذا الاشتغال الطبقي لا ينتج علاقة توضيحية بين النص والصورة، بل يفتح مساحة توتر دائمة بينهما، فالنص رغم حضوره المادي الواضح لا يُقرأ كاملاً، ولا يُمنح فرصة الاستقرار، إذ يتعرض للطمس الجزئي أو الإزاحة البصرية بفعل اللون. في المقابل، لا يتراجع الرسم لصالح الكلمة، بل يظل محتفظاً باستقلاليته، وبحركته الحرة داخل اللوحة. من هنا، يبدو العمل أقرب إلى حوار غير متكافئ، أو إلى صراع هادئ، تتولد منه إمكانات دلالية متعددة. وفق بيان المعرض، فإن "مقامات العشق" يقوم على لقاء بين عالمين متوازيين، عالم اللون كما يراه هيمت محمد علي، وعالم الكلمة كما يعيشه أدونيس. غير أن هذا اللقاء لا يقوم على التفسير المباشر، بل على تلك المساحة العميقة التي يتقاطع فيها الشعر بالفن، ويتحول كل منهما إلى مرآة للآخر. فاللوحات والنصوص هنا لا تُقدَّم أعمالاً مكتملة بقدر ما تُطرح باعتبارها رحلة بحث مفتوحة، رحلة عن الذات، وعن الأسئلة التي تظل معلّقة، بلا إجابات نهائية. هذا الطابع المفتوح يتقاطع مع طبيعة التجريد الذي يشتغل عليه هيمت محمد علي. فكما لا تمنح القصيدة الحديثة قارئها معنى جاهزاً، لا تقدم اللوحة التجريدية تفسيراً مباشراً لما تحتويه. كلاهما يخلق فضاءً يسمح للمتلقي بأن يعثر على ذاته داخله، وأن يخوض تجربة انعكاس شخصية في طبقات اللون، كما في طبقات اللغة. يكتسب هذا المعرض دلالة إضافية في سياق "آرت كايرو"، الذي يُقام هذا العام تحت شعار "هذه لغتي، معجزتي، عصا سحري" المستوحى من قصيدة "قافلة من أجل المعلقات" لمحمود درويش. ولعل ما يميز تجربة هيمت محمد علي في هذا السياق، هو أنها لا تتعامل مع الخط بوصفه عنصراً زخرفياً، كما في تجارب الحروفية العربية التقليدية، بل بوصفه أثراً إنسانياً، يحمل حضور الشاعر الجسدي، وخطه، وتردده، وانكساراته. بهذا المعنى، يقدّم المعرض تجربة فنية تقوم على التداخل بين الشعر والفن، عبر صيغة بصرية تعتمد الطبقات والتراكب، وتستثمر حضور النص بوصفه مادة تشكيلية لا عنصراً تفسيرياً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows