يعد موسم “الوكيرة” في ريف محافظة تعز أحد أهم التقاليد الزراعية والشعبية المتوارثة، إذ يشكل محطة سنوية ينتظرها المزارعون خلال شهري ديسمبر ويناير (كانون الأول وكانون الثاني)، لما يحمله من أهمية اقتصادية ومعيشية في ظل تراجع الغطاء النباتي وشح المراعي الطبيعية.
خلال هذا الموسم، يجري قطف أشجار السدر، المعروفة محليا بـ”العلب”، ثم تترك لتجف تحت أشعة الشمس لمدة ثلاثة أيام، تمهيدا لاستخدام أوراقها كأعلاف للمواشي خلال فترات الجفاف، وتراجع الغطاء النباتي التي غالبا ما تمتد في المناطق الجبلية والوديان.
تعرف “الوكيرة” محليا بأنها عملية موسمية تشبه حصاد الذرة، تبدأ بقص أشجار السدر وتجفيفها، ثم جمع أوراقها وتخزينها في أماكن مخصصة مثل الطرابيل والجواني، لاستخدامها لاحقا عندما تقل المراعي الطبيعية، لا سيما في البيئات الريفية المعتمدة على تربية المواشي كمصدر دخل أساسي.
مواضيع مقترحة
- كيف يواجه المزارعون الآفات في ظل مناخ متقلب؟
- الشتاء في اليمن: قسوة المناخ وتحديات الحياة
- الصيدليات المجانية.. خط إسعاف أول لسكان الريف
استعداد مبكر
يقول المزارع مهيب سعيد الفقيه إن أعلاف “الوكيرة” تقطف من أشجار السدر خلال شهري/كانون الاول وكانون الثاني، وهو موسم زراعي يتم فيه جمع أوراق السدر قبل أن يبدأ الجفاف، الذي يؤدي إلى تساقطها من الأشجار.
ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”:”نقوم كمزارعين بقطف هذه الأعلاف وتخزينها في أماكن مخصصة، لاستخدامها لاحقا كعلف للمواشي، خصوصا في أيام الجفاف، عندما تقل الحشائش في الجبال والوديان”.
يشير الفقيه إلى أن شهري شباط وآذار يعدان من أشد فترات الجفاف، ما يدفع المزارعين ومربي المواشي إلى الاعتماد بشكل أساسي على أعلاف “الوكيرة” المخزنة سابقا لإطعام مواشيهم.

من جانبها، تسلط المزارعة ومربية المواشي حسناء أحمد النمر الضوء على الصعوبات التي ترافق هذا الموسم، موضحة أن توقيته يتزامن مع تقلبات جوية حادة، وتقول: نواجه صعوبات كبيرة خلال موسم الوكيرة، خاصة أنه يأتي في شهري كانون الأول وكانون الثاني، حيث يكون الطقس متقلبا بين الضباب وتقطع الغمام”.
وتلفت أنهم يتمكنون في بعض الأيام من قطف أشجار السدر عندما يكون الجو صافيا، لكن في اليوم التالي نتفاجأ بتشكل الغيوم وهطول الأمطار الخفية، التي يسميها المزارعون بـ”الهثيم”، ما يؤخر عملية التجفيف بسبب غياب الشمس”.
وتضيف أن هذه التقلبات الجوية تتسبب بمعاناة إضافية على المزارعين ورعاة المواشي، مؤكدة أن الموسم يمثل مصدرا رئيسيا لتأمين أعلاف الأغنام والماعز والأبقار خلال فترات الجفاف.
فوائد متعددة
لا تقتصر أهمية موسم الوكيرة على توفير الأعلاف فقط، بل تمتد إلى فوائد زراعية وبيئية متعددة، ويقول المزارع عوض حاجب من ريف تعز إن قطف أشجار السدر خلال هذا الموسم يساعد في حماية الأشجار من الإصابة بدودة القحطة، كما يسميها المزارعون.
ويشرح أن عملية القطف تنتج عدة استخدامات؛ إذ يستخدم “السدف” كحطب، بينما تستغل الأغصان المليئة بالأشواك في حماية أحواش المزارع وأسقف المنازل القديمة، أما “القُصع”، فهو عبارة عن حضيرة (مجموعة من العصى) تستخدم في ربط أجزاء الخشب ببعضها داخل المنازل القديمة، ما يعكس أهمية شجرة السدر ليس فقط كعلف، بل كمورد متعدد الاستخدامات في الحياة الريفية.

بدوره، يستعيد المزارع أحمد نعمان تجربة الماضي، قائلاً:”كنا سابقا نعتمد على أعلاف الوكيرة وحشائش الجبال التي نقطفها خلال موسم الأمطار، ونربطها على شكل حزم ونخزنها لأيام الجفاف، لكن اليوم أصبح الوضع مختلف”.
ويضيف “: التغيرات المناخية وهطول الأمطار الغزيرة أدت إلى جرف المدرجات الزراعية، وجعلت الجبال أكثر وعورة وخطورة، ما صعب على المزارعين الوصول إليها لجمع الحشائش، ودفعهم للاعتماد بشكل أكبر على تجفيف أوراق السدر كحل عملي لمواجهة الجفاف”.
خبرة متوارثة
من جانبه، يؤكد الخبير الزراعي محمد الراجحي أن تربية الحيوانات تعد من أقدم المهن التي مارسها الإنسان اليمني، مشيرا إلى أن طبيعة البلاد الجافة وشبه الجافة تؤثر بشكل مباشر على توفر المراعي، التي تتوسع أو تتقلص تبعا لمواسم الأمطار.
ويوضح الراجحي أن المزارع اليمني بفضل خبرته الطويلة واحتكاكه المباشر بالطبيعة، ابتكر حلولا عملية للتغلب على نقص المراعي، من أبرزها حفظ الأعلاف خلال مواسم الوفرة، مشيرا إلى أن تقطيع أوراق أشجار السدر خلال شهري كانون الأول وكانون الثاني يعد التوقيت الأمثل”.

منوها إلى أن الشجرة خلال الشهرين هذه تكون في طور السكون، ما يعني توقف النمو واكتمال نضج الأوراق، وبالتالي زيادة محتواها من المادة الجافة عند تجفيفها وتخزينها لاستخدامها لاحقًا كعلف للحيوانات.
ولا يقتصر موسم الوكيرة على كونه نشاطا زراعيا فحسب، بل يحمل بعدا اجتماعيا وموروثا ثقافيا راسخا في الذاكرة الريفية ويتحول قطف الوكيرة في كثير من المناطق، إلى عمل جماعي، يتعاون فيه المزارعون، ويتبادلون المنافع، ويخرجون لمساعدة بعضهم البعض خلال الموسم.
ويشارك في هذا النشاط الرجال والنساء والأطفال، في مشهد يعزز روح التعاون، ويخلق بيئة تعليمية تنتقل فيها المعرفة الزراعية من الآباء إلى الأبناء، بما يسهم في حفظ العادات والتقاليد المتوارثة جيلًا بعد جيل، ويجعل من موسم الوكيرة أكثر من مجرد عمل موسمي، بل ذاكرة حيّة في مواجهة الجفاف.
Related News