Party
لا تقف الحاضنة الشعبية في مدينة تعز على هامش المعركة، بل تمثل جزءاً أساسياً من مشهد الصمود، من خلال إسناد المقاتلين في الجبهات بالرجال والغذاء والدعم المعنوي، في مواجهة حرب وحصار تفرضهما مليشيا الحوثي الإرهابية منذ أكثر من عشر سنوات.
ومنذ اندلاع الحرب، ظل المجتمع التعزي حاضراً في معادلة المواجهة، مقدماً أشكالاً متعددة من الدعم للجيش الوطني والمقاومة، ومتمسكاً بخياراته في الدفاع عن المدينة، رغم ما خلفه الحصار والقصف من أعباء إنسانية ومعيشية ثقيلة.
شريك أساسي في المواجهة
منذ الأيام الأولى للتصعيد الأخير الذي تشنه مليشيا الحوثي، تحولت قرى وعزل محافظة تعز إلى جبهة إسناد خلفية للجيش الوطني؛ إذ فتح مواطنون منازلهم ومزارعهم لإعداد الطعام للمرابطين، فيما دفع آخرون بأبنائهم طوعاً إلى مواقع البطولة.
ولم يكن هذا الإسناد موسمياً أو عابراً، بل استمر على امتداد سنوات الحرب، انطلاقاً من علاقة اجتماعية وثيقة تجمع المقاتلين بمجتمعهم؛ فالمقاتل في الجبهة هو ابن القرية وأخ المزارع وجار المعلم، الأمر الذي جعل العلاقة بين الجيش والحاضنة الشعبية امتداداً طبيعياً للروابط الاجتماعية.
وترى الناشطة المجتمعية حياة الذبحاني أن هذا الالتحام يمثل جوهر المعركة، مؤكدة أن الحاضنة الشعبية في تعز ليست مجرد طرف مساند، بل شريك أساسي في المواجهة.
وقالت الذبحاني، في تصريح لـ"الصحوة نت"، إن "الحاضنة الشعبية في تعز هي جزء أصيل من الثورة والمقاومة وصوت الشارع، وشريك أساسي في المعركة لا يقل دوره عن دور المقاتل في الجبهة".
وأضافت أن المقاتلين يحتاجون إلى السلاح والطعام والملابس الشتوية والذخيرة، وهي احتياجات تسهم الحاضنة الشعبية في توفيرها، بما يجسد صور التلاحم بين الجيش الوطني والمقاومة والمجتمع في مواجهة مليشيا الحوثي.
وتابعت: "أبطال الجيش والمقاومة هم أساساً من أبناء المجتمع التعزي، انتقلوا من مرحلة الحاضنة إلى مرحلة المواجهة، وتعز مدينة تتنفس مقاومة، وقطعت عهداً بأن لا سيد فيها إلا الشعب، ولن تخضع أو تقبل تقبيل الأقدام".
يد تقاوم وأخرى تساند
تعيش مدينة تعز تحت حصار مستمر منذ أكثر من عشر سنوات، ازدادت حدته منذ مطلع أكتوبر بسبب إغلاق مليشيا الحوثي لكافة المنافذ والطرق الرئيسية المؤدية إليها، ما ضاعف معاناة السكان وقيّد حركة تنقلهم، ورغم قسوة الحصار، واصل المواطنون التكيف مع ظروفه، وتحملوا أعباءً إنسانية ومعيشية متزايدة؛ من باب مساندة الجيش والمقاومة.
وتؤكد الذبحاني أن وجود الحاضنة الشعبية يسهم في رفع معنويات المقاتلين وتثبيتهم في مواقعهم، ويشعرهم بأن تضحياتهم تحظى بتقدير المجتمع، مشيرة إلى وحدة الهدف في مواجهة المليشيا.
وقالت إن طلاب تعز وأطباءها ومهندسيها وموظفيها، ممن عُرفت بهم المدينة بوصفها مركزاً للعلم والثقافة، انخرطوا في الدفاع عنها، فيما واصل الرجال والنساء والأطفال أدوارهم في الإسناد المجتمعي، انطلاقاً من قناعة بأن المعركة، معركة دين ووطن وجمهورية وكرامة، في تكامل بين يد تقاوم وأخرى تساند.
وأشارت إلى أن ما يميز الحاضنة الشعبية في تعز هو مستوى الوعي والثقافة، وقدرتها على التعبير عن مواقفها وانتقاد الممارسات الخاطئة، مؤكدة أنها ترفض ممارسات الحوثيين والاستبداد وحياة الذل، وسيظل صوتها حاضراً حتى تحقيق تطلعات اليمنيين.
وعي بخطورة المشروع الحوثي
من جانبه، قال رئيس الدائرة الإعلامية للتجمع اليمني للإصلاح بمحافظة تعز، أحمد عثمان، إن أبرز ما يميز الحاضنة الشعبية في المدينة هو وعيها بطبيعة جماعة الحوثيين وخطورة مشروعها، الذي وصفه بأنه مشروع عنصري سلالي يقوم على التمييز والهيمنة ومصادرة حقوق المواطنين.
وأضاف عثمان، في تصريح لـ«الصحوة نت»، أن هذا الوعي ينظر إلى الحوثيين باعتبارهم خطراً على الحاضر والمستقبل، مشيراً إلى أن الجماعة، لا تؤمن بالشراكة السياسية، بل تتبنى تصوراً قائماً على التمييز بين من تصفهم بالسادة ومن تعتبرهم تابعين، وتسعى إلى فرضه بالقوة.
وأكد أن هذا الوعي بحاجة إلى دعم وتوسيع على مستوى اليمن، من خلال العمل في الجبهات العسكرية والسياسية والثقافية، ومشاركة مختلف القوى والمكونات في مواجهة الأفكار العنصرية والتحذير من آثارها على حياة اليمنيين وكرامتهم.
لم يكن صمود الحاضنة الشعبية في تعز بلا ثمن؛ فقد تعرضت مناطق وقرى المدينة والمحافظة لقصف متكرر بقذائف الهاون والصواريخ، فيما واستشهد وأصيب مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، جراء القنص والألغام والعبوات الناسفة المزروعة في الطرقات.
ورغم القصف والتهجير القسري وما خلفته الحرب الحوثية من خسائر، ظل كثير من السكان متمسكين بمنازلهم وأراضيهم، معتبرين أن البقاء في قراهم ومواصلة حياتهم وأعمالهم يمثلان شكلاً من أشكال الصمود في وجه الحرب.
التمسك بالدولة ومؤسساتها
وفي استحضارها لحجم التضحيات، قالت الذبحاني إن تعز قدمت أكثر من 8 آلاف شهيد و35 ألف جريح و7 آلاف أسير منذ الانقلاب الحوثي، مؤكدة أن هذه التضحيات جاءت من عمق المجتمع التعزي، وأن أبناء المدينة متمسكون بمواصلة الطريق حتى تحقيق النصر.
وأضافت: "نحن على ثقة بأننا سنحتفل في شارع جمال، وسيكون الاحتفال الأكبر في ميدان السبعين بصنعاء، فتعز محال أن تنكسر ومحال أن تسقط".
من جانبه، أكد أشرف الصلوي، وهو من أبناء مدينة تعز، أن التفاف الحاضنة الشعبية حول الجيش الوطني ومساندتها له يستندان إلى جملة من الأسباب الوطنية والمصيرية، في مقدمتها ارتباط الدفاع عن المدينة بالدفاع عن الجمهورية ومؤسسات الدولة.
وقال الصلوي، في تصريح لـ«الصحوة نت»، إن تعز تمثل إحدى أبرز قلاع الجمهورية، وإن الدفاع عنها يعني رفض المشاريع القائمة على التقسيم المذهبي والقبلي، والتمسك بالدولة ومؤسساتها.
وأضاف أن المواطنين يرون في الجيش الوطني والمقاومة القوة القادرة على استعادة السيطرة على المحافظة وفتح الطرق وكسر الحصار وتأمين المنافذ، باعتباره مؤسسة عسكرية تمثل الدولة.
وأشار إلى أن تمسك أبناء تعز بالدولة يعود إلى ما يترتب على غيابها من تراجع للحقوق والخدمات الأساسية، وانقطاع الرواتب، وتدهور قطاعات الصحة والتعليم، فضلاً عن مخاوفهم من التغييرات المليشاوية التي تستهدف المناهج التعليمية والهوية المذهبية للمجتمع.
معادلة تصنع الصمود
ولفت الصلوي إلى أن ممارسات التمييز والاستعلاء السلالي في مناطق سيطرة الحوثيين، وما يتعرض له المواطنون والموظفون والتجار والطلاب من تضييق وتنكيل، ما يجعل أبناء تعز يتمسكون بكل قوة بموقفهم الرافض للمليشيا.
وقال إن تعز، رغم ما تواجهه من تحديات واختلالات، لا تزال تمثل مساحة للعلم والثقافة والحرية، مشيراً إلى الدور الذي لعبه أبناؤها في نشر التعليم وتقديم الكوادر في مجالات التدريس والطب والهندسة بمختلف المحافظات اليمنية.
كما أرجع الصلوي جانبا من قوة الارتباط بين الجيش والحاضنة الشعبية إلى أن عدداً كبيراً من أفراد الجيش الوطني ينتمون إلى محافظة تعز، ولهم امتدادات أسرية واجتماعية في مناطقها، مستشهداً بجبل صبر، حيث ينحدر عدد من أفراد الجيش وقياداته من أبناء الجبل، الأمر الذي يجعل التحامهم بالمجتمع امتداداً طبيعياً لانتمائهم إليه.
تؤكد تجربة تعز أن المواجهة في المدينة لم تقتصر على الجبهات العسكرية، بل امتدت إلى المجتمع الذي تحمل أعباء الحرب والحصار، وواصل تقديم أشكال متعددة من الإسناد للمقاتلين، بالتوازي مع تمسكه بالحياة والعمل والتعليم.
وبين جيش يقاتل في الجبهات وحاضنة شعبية تسانده وتتحمل كلفة الحرب، تشكلت معادلة صمود ظلت حاضرة طوال سنوات الحرب، لتبقى تعز، رغم الحصار والقصف والخسائر، واحدة من أبرز ساحات المواجهة في اليمن، وقلعة يعول على صمودها في سبيل معركة استعادة الجمهورية.
Related News
الحوثي وخطاب الكراهية - زيد الشامي
alsahwa
30 minutes ago