Party
قبل أشهر، كانت صورة ابن أم وليد معلقة في أحد شوارع صنعاء، بعدما قتل في إحدى جبهات القتال. واليوم، لم تعد صورته في مكانها، فقد أزيلت لتحل محلها صورة شاب آخر من الحي، في مشهد أعاد إلى الأم وجع فقدان ابنها، الذي عاد إلى أسرته داخل صندوق مغلق دون أن تعرف كيف قتل.
وحكاية أم وليد واحدة من قصص أسر يمنية فقدت أبناءها في الحرب، وأخرى ما تزال تنتظر خبرا عن مفقودين لا تعرف إن كانوا أحياء أم قتلى.
وبين صور تتبدل على جدران العاصمة ومراسم تشييع تتكرر في شوارعها، تتكشف معاناة عائلات أنهكها الفقد والانتظار، وسط اتهامات لجماعة الحوثي بمواصلة حملات التجنيد والضغط على الأهالي للدفع بأبنائهم إلى الجبهات.
ولا تقتصر معاناة هذه الأسر على فقدان أبنائها، إذ تتحدث شهادات حصلت عليها «الصحوة نت» عن غياب المعلومات بشأن ظروف مقتل بعض المقاتلين، وتأخر انتشال جثامين آخرين، فيما تعيش عائلات المفقودين بين الأمل في عودتهم والخوف من تلقي أخبار تؤكد وفاتهم.
وجوه تتبدل
لم تتجاوز أم وليد (51 عاما) صدمة مقتل نجلها، الذي كانت تنتظر عودته ليساعد الأسرة في مواجهة أعباء المعيشة، قبل أن يصلها خبر مقتله في إحدى الجبهات.
تقول لـ«الصحوة نت»: «منذ أن وصلني خبر مقتله، أظلمت الدنيا في عيني. كنا ننتظر عودته ليساعدنا في مواجهة غلاء المعيشة، لكنه عاد جثمانا في صندوق رفضوا أن نفتحه، ولم نعرف كيف قتل».
وما زاد من وجعها إزالة صورة ابنها التي علقت في أحد شوارع العاصمة عقب مقتله، لتوضع مكانها صورة قتيل آخر.
وتضيف: «اليوم أمشي في الشارع فلا أجد صورته التي علقوها قبل أشهر. أزالوها ووضعوا مكانها صورة شاب آخر من الحي، وكأن ولدنا لم يكن سوى رقم مؤقت في حساباتهم».
وفي حي حزيز جنوبي صنعاء، لا تزال زوجة أحد المقاتلين الذين قيل لها إنه قتل تبحث عن إجابات بشأن ظروف مقتله ومصير جثمانه، بينما يواصل طفلها انتظار عودة والده.
وتقول: «كل ما أشتيه هو الحقيقة: أين قتل؟ وكيف أخذوه؟ وكيف تركوا جثته في الجبال؟ يقولون استشهد، لكن طفلي يتلفت كل ليلة نحو الباب ويسألني: أين أبي؟ لا أملك إجابة أبرد بها قلبه الصغير».
تجنيد وضغوط
ولا تتوقف مخاوف الأهالي عند مصير من ذهبوا إلى الجبهات، إذ تتحدث شهادات محلية عن ضغوط تمارسها مليشا الحوثي على سكان بعض المناطق الريفية لتوفير مقاتلين جدد.
ويقول أحد مشايخ مديرية بني مطر بمحافظة صنعاء، طلب عدم الكشف عن هويته، إن حملات ميدانية تضغط على المشايخ والأهالي لتقديم أعداد محددة من المجندين، مشيرا إلى مطالبة بعض القرى الصغيرة بتوفير عشرة مقاتلين، مقابل عشرين مقاتلا من القرى الأكبر.
ويضيف في حديثه لـ«الصحوة نت» أن الأسر التي ترفض إرسال أبنائها تتعرض لضغوط مالية، تشمل فرض مبالغ تصل إلى خمسة آلاف ريال عن كل فرد، بحسب روايته.
ويصف الشيخ هذه الممارسات بأنها تضع الأسر أمام خيارين قاسيين: إما إرسال أبنائها إلى الجبهات أو تحمل أعباء مالية إضافية، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع مصادر الدخل.
جثامين في العراء
وإذا كانت بعض الأسر تخشى إرسال أبنائها إلى الجبهات، فإن عائلات أخرى تقول إن معاناتها لم تنته حتى بعد تلقي أخبار مقتلهم، بسبب تأخر انتشال الجثامين أو غياب المعلومات عن أماكن وجودها.
ومن بين هؤلاء أبو أحمد، الذي انتظر أشهرا لمعرفة مصير نجله بعد انقطاع أخباره في إحدى الجبهات، دون أن تتلقى الأسرة معلومات واضحة عن مكان وجوده أو ظروف مقتله.
يقول أبو أحمد لـ«الصحوة نت»: «قالوا لنا إن ابنكم في مهمة، ثم سكتوا. وبعد أشهر علمنا أن جثته تُركت في العراء، دون أن يكلفوا أنفسهم حتى إبلاغنا بمكانها».
ولم يكن تأخر معرفة مصير ابنه وحده ما أثار غضبه، بل ما يراه تفاوتا في التعامل مع جثامين القتلى ومراسم تشييعهم.
ويضيف: «ينقلون قتلى القيادات في مواكب مهيبة، ويهتمون بقبورهم، بينما يترك أبناء القبائل والبسطاء في الجبال».
انتظار بلا نهاية
أما الأسر التي انقطعت أخبار أبنائها دون تأكيد مقتلهم، فتعيش معاناة مختلفة، إذ يظل مصير الغائبين مجهولا، وتبقى حياتها معلقة بين انتظار العودة والخوف من الأسوأ.
في أرياف صنعاء، لا تزال أم حسن، وهي أم لأربعة أطفال، تنتظر زوجها الذي تقول إنه ذهب إلى الجبهة تحت ضغوط، قبل أن تنقطع أخباره منذ أشهر.
وتروي لـ«الصحوة نت»: «زوجي ذهب إلى الجبهة تحت الضغوط، ومنذ أشهر لم يعد، ولم يصلنا عنه سوى شائعات بمقتله في جبهات تعز. لا أعرف إن كان أسيرا أو جريحا أو قتيلا تركوا جسده في العراء».
وتضيف: «أعيش كل يوم على أمل أن يطرق الباب، بينما يطرق الجوع بابنا، ولا نجد ما نسد به أفواه أطفالنا».
ولا تعرف أم حسن حتى الآن، بحسب روايتها، إن كان زوجها ما يزال على قيد الحياة، أو أين يمكن أن تبحث عنه، فيما تضطر إلى مواجهة احتياجات أطفالها اليومية في غياب معيل الأسرة.
اتهامات حقوقية
وتثير الشهادات المتعلقة بالتجنيد تحت الضغط والتكتم على مصير المقاتلين وعدم انتشال جثامين بعض القتلى تساؤلات حقوقية بشأن مسؤولية الجهات التي دفعت بهم إلى الجبهات، وحق أسرهم في معرفة مصيرهم وظروف وفاتهم.
ويرى الناشط الحقوقي عبد الرحمن كريم أن مثل هذه الممارسات، إذا ثبتت، تمثل انتهاكات خطيرة تستوجب التوثيق والتحقيق والمساءلة.
ويقول لـ«الصحوة نت» إن «إجبار الشباب على القتال، وفرض حصص من المجندين أو مبالغ مالية على القرى، ثم التكتم على ظروف مقتلهم وترك الجثامين في مناطق المواجهات، يمثل انتهاكات جسيمة للكرامة الإنسانية».
ويؤكد أهمية توثيق حالات التجنيد القسري والمفقودين وظروف الوفاة والتعامل مع الجثامين، مشيرا إلى أن ثبوت هذه الممارسات قد يرتب مسؤوليات قانونية تتعلق بحقوق الضحايا وأسرهم.
وبين صورة أزيلت من أحد شوارع صنعاء، وأب علم أن جثمان ابنه تُرك في العراء، وأم لا تزال تنتظر خبرا عن زوجها المفقود، تتواصل معاناة أسر تبحث عن إجابات بشأن مصير أبنائها وظروف مقتلهم. فخلف صور القتلى المعلقة على الجدران حكايات فقد لا تختصرها مراسم التشييع، وانتظار لا يعرف أصحابه متى ينتهي.