Party
صحيفة الثوري – تحليل
تحليل: رئيس التحرير - سام أبوأصبع
تحتفل طهران بخسارة دونالد ترامب وحزبه مجلسي الكونغرس كما لو أن الناخب الأمريكي اقترع لاستعادة نفوذها. وفي هذه النشوة ما يكشف طبيعة علاقتها بواشنطن أكثر مما يفسر نتائج الانتخابات: نظام يبني شرعيته على العداء لأمريكا، ثم يعلق آماله على انتقال الأغلبية من حزب أمريكي إلى آخر.
سارع مسؤولون إيرانيون إلى اعتبار النتائج رفضا للحرب على بلادهم. غير أن التصويت ضد إدارة أمريكية لا يمثل تفويضا لخصومها الخارجيين. فقد تداخلت في خسارة الجمهوريين كلفة المعيشة والقلق الاقتصادي والحرب والاعتراض على أداء الحكم. يستطيع الأمريكي أن يعاقب رئيسه على ارتفاع الأسعار، دون أن يمنح النظام الإيراني شهادة براءة سياسية.
وراء الاحتفال الإيراني ذاكرة سياسية واضحة. تستعيد طهران سنوات باراك أوباما، حين وجدت فرصة ذهبية لترسيخ نفوذها الإقليمي، بينما أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها حول الاتفاق النووي. لذلك يبدو ابتهاجها اليوم حنينا إلى مقاربة منحتها مجالا للمناورة، وأشعرتها بأن كلفة تمددها يمكن احتواؤها بالمفاوضات.
كان قصر نظر أوباما في صميم تلك المقاربة. فقد فصل بين البرنامج النووي وطبيعة النظام الذي يديره، وتعامل مع ضبط التخصيب كما لو أنه يستطيع ضبط مصدر الخطر. والحال أن أجهزة الطرد المركزي جزء من منظومة أوسع، تشمل الحرس الثوري الإيراني والصواريخ وشبكات النفوذ المسلح. تقييد جزء من هذه المنظومة، مع ترك بقية أجزائها تتوسع، يمنح الخطر مسارات أخرى.
وعندما دعا أوباما السعودية وإيران إلى إيجاد صيغة لتقاسم الجوار، كشف الخلل في تصوره الإقليمي. فالجوار ليس ملكية تتقاسمها القوى الأقوى، والدول الواقعة فيه ليست حصصا توزع في تسوية أمريكية. مثل هذا المنطق يحول التدخل في شؤون الآخرين إلى مصلحة معترف بها، ويطلب من المتضررين التكيف مع نتائجه.
من هنا يمكن قراءة سياسته باعتبارها أفضت إلى تلاق عملي مع مشروع الإسلام السياسي الشيعي الذي تقوده طهران. وهذا حكم على النتائج، لا ادعاء بوجود تحالف تعاقدي شامل. فحين تجعل واشنطن الاتفاق مع النظام أولوية، وتؤجل مواجهة أدوات توسعه، فإنها تمنحه وقتا لترسيخ نفوذه. وما يتراكم خلال ذلك الوقت يعود إلى طاولة المفاوضات بوصفه ثمنا إضافيا يطالب به.
والأخطر أن الانشغال بالنووي حجب خطرا أكثر قابلية للاستخدام اليومي: تهديد الممرات التي يعبر منها النفط والتجارة. فالقدرة على تعطيل هرمز وباب المندب، أو رفع كلفة العبور فيهما، تمنح صاحبها نفوذا على أسعار الطاقة والتأمين والنقل وقرارات الحكومات. ومن حيث قابلية الابتزاز المتكرر، قد تكون هذه الورقة أشد خطرا من قنبلة نووية تفرض كلفة استخدامها قيودا هائلة على صاحبها.
كان ينبغي أن تكون المعادلة واضحة: تستطيع طهران التفاوض على نسب التخصيب، فيما تحتفظ بوسائل الضغط على الاقتصاد العالمي. وكل اضطراب يرفع الأسعار في الغرب قد يتحول إلى ضغط على حكوماته لتقديم تنازلات. وهكذا تصبح القدرة على الإيذاء طريقا إلى المكافأة السياسية.
تريد طهران اليوم تحويل غضب الأمريكيين من كلفة الحرب إلى قيد يحميها من تبعات سياساتها. وتراهن على أن ينشغل خصوم ترامب بإضعافه بما يسمح لها بتخفيف الضغط واستعادة قدرتها على المناورة. لكن هذا الرهان يخلط بين محاسبة الرئيس الأمريكي وتبني مطالب النظام الإيراني.
فالديمقراطي الذي يعارض الحرب قد يرفض أيضا شروط طهران. والكونغرس الذي يحقق في قرارات الإدارة قد يستمر في دعم العقوبات والردع. المعارضة الداخلية الأمريكية لا تنتج بالضرورة شراكة مع الخصم الخارجي، وخسارة ترامب لا تلغي تلقائيا السياسة الأمريكية تجاه إيران.
ثم إن الأغلبية البرلمانية ليست رئاسة بديلة. تستطيع التأثير في الإنفاق والتشريع وفتح التحقيقات، ويستطيع مجلس الشيوخ تعطيل تعيينات تحتاج إلى موافقته. أما إدانة الرئيس وعزله فتتطلب موافقة ثلثي أعضاء الشيوخ الحاضرين. لذلك تضيق النتائج هامش ترامب، لكنها لا تنقل سلطاته إلى خصومه.
وفي المقابل، لا يملك الرئيس تفويضا حربيا يتجدد تلقائيا كل ستين يوما؛ فقانون صلاحيات الحرب يضع قيودا على استمرار استخدام القوات دون تفويض تشريعي، مع أحكام محددة للانسحاب. وهذه مساحة للصراع المؤسسي في واشنطن، وليست ضمانة أمنية لطهران.
غير أن الحساب الإيراني الأشد إلحاحا يقع داخل إيران نفسها. فالقراءة الماركسية تطرح السؤال الذي تحجبه خطابات النصر: من يملك الثروة والقرار، ومن يتحمل كلفة الحرب؟ تدمير المصنع يعني للعامل ضياع أجره، وتعطل التجارة يعني للأسرة ارتفاع سعر غذائها، وانهيار القوة الشرائية يلتهم مدخرات الفئات الوسطى والفقيرة. تقاس قدرة السلطة على البقاء باستمرار أجهزتها، أما قدرة المجتمع فتقاس بتأمين الخبز والسكن والعلاج.
ويشير البنك الدولي إلى أن الحرب فاقمت هشاشة الاقتصاد الإيراني، وأضرت بالإنتاج والاستثمار وفرص العمل، مع توقع ارتفاع الفقر بفعل غلاء الغذاء ونقص الواردات وتراجع الدخول الحقيقية. وكلفة الدمار تتجاوز المنشآت إلى سنوات من العمل الضائع والحرمان وأعباء إعادة الإعمار.
هنا يعمل التضخم كآلية لتحميل أصحاب الأجور كلفة الأزمة، بينما تتفاوت القدرة على الاحتماء منه بحسب امتلاك الأصول والوصول إلى الموارد والسلطة. وحين يقترن ذلك بالقمع، يتحول السؤال المعيشي إلى سؤال سياسي: لماذا تقدم الفئات الأفقر التضحيات، فيما تحاصر قدرتها على محاسبة أصحاب القرار؟ وقد ترافقت الأزمة مع استمرار الاعتقالات وتشديد القيود على المعارضة.
الفقر لا ينتج انتفاضة بصورة آلية؛ فالحرب قد تستنفر الشعور الوطني وتمنح السلطة ذرائع للقمع. ويتوقف التحول على التنظيم والتقاء المطالب الاجتماعية بالحريات وتصدع تماسك الحكم. لكن تراكم الحرمان يوسع المسافة بين رواية النظام عن قوته وتجربة الناس مع العجز، ويضع كل احتفال رسمي أمام سؤال قاس: ماذا بقي من الانتصار على مائدة الأسرة؟
لن تعيد أغلبية ديمقراطية بناء مصنع مدمر، ولن تسترد أجرا التهمه الغلاء، ولن تمنح شرعية دائمة لسلطة تطالب الناس بالصبر وتحرمهم المساءلة. وقد تواجه طهران تحديا أعمق حين يرفض العامل والمعلم والمتقاعد أن تظل معيشتهم الوقود الدائم لطموحات النظام.
قد تمنح النتائج طهران فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن استعادة زمن أوباما تحتاج إلى أكثر من أغلبية ديمقراطية؛ تحتاج إلى عودة التصور الذي فصل التفاهم النووي عن كلفة التوسع الإيراني. وهذا ما تأمله طهران حين تراهن على تحويل محاسبة ترامب إلى تكرار لذلك الخطأ.
ويبقى استئناف ترامب الحرب احتمالا جديا لا يجوز لطهران استبعاده. فقد تدفعه خسارته الداخلية إلى التشدد خارجيا، سعيا لاستعادة المبادرة وإثبات أن نتائج الكونغرس لم تشل قدرته على الفعل. وهذا احتمال تحليلي، لا نتيجة حتمية؛ إذ قد تدفعه كلفة الحرب أيضا إلى التراجع. لكن الاحتفال الإيراني يصبح سوء تقدير مكلفا إذا قرأته القيادة ضمانة لانحسار الخطر، وبنت عليه تصعيدا جديدا.
وقد يكون أخطر ما تفعله طهران أن تصدق احتفالها؛ فتخلط بين تراجع ترامب وتراجع القدرة الأمريكية، وتقرأ الانقسام في واشنطن إذنا بالمغامرة. عندها قد تستفز توافقا بين الحزبين على مواجهتها، يمنح الرد ثقلا أوسع واستمرارية تتجاوز ولاية رئيس. وحين يتزامن سوء الحساب الخارجي مع تراكم الغضب الاجتماعي، قد يصبح ما تحتفل به إيران اليوم مقدمة لما تندم عليه غدا.
The post طهران تحتفل بفوز الديمقراطيين: الحنين إلى زمن أوباما first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.