تحركات حكومية لتحسين دخول الموظفين والمليشيا تفاقم أزمة الرواتب
Party
1 week ago
share
بينما تواجه الحكومة أزمة مالية حادة وتراجعاً في الإيرادات، تمضي في استكمال إجراءات صرف العلاوات السنوية المتأخرة وبدل غلاء المعيشة والزيادة المقررة بنسبة 20% لموظفي الدولة، وفي المقابل، تستمر أزمة الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث حُرم الموظفون من مستحقاتهم المنتظمة لسنوات. تسلط هذه المفارقة الضوء على واحد من أكثر الملفات اتصالاً بالحياة اليومية لليمنيين، إذ لا تتعلق الرواتب بمجرد التزامات مالية على الدولة، بل بمصدر الدخل الأساسي لملايين الأشخاص، وبقدرة المؤسسات العامة على الاستمرار في تقديم الخدمات في ظل حرب أرهقت الاقتصاد وأضعفت القوة الشرائية للعملة الوطنية. وفي وقت لا تزال فيه إجراءات الصرف الحكومي بحاجة إلى استكمال مراحلها المالية والفنية، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى تستطيع الحكومة الوفاء باستحقاقات موظفيها رغم محدودية الموارد، وما الذي تكشفه أزمة الرواتب في مناطق الحوثيين عن أثر السياسات المالية على حياة العاملين في القطاع العام؟ بدل غلاء معيشة في الـ24 من أكتوبر الجاري، قال وزير الخدمة المدنية والتأمينات، سالم العولقي، إن الوزارة أنجزت جزءاً كبيراً من الإجراءات المتعلقة بالعلاوات السنوية والزيادة المقررة للموظفين، وأحالت فتاوى الاستحقاق وكشوفات المستفيدين إلى وزارة المالية لاستكمال المراجعة والتدقيق والمطابقة، تمهيداً للتعزيز المالي وإحالة المستحقات إلى البنك المركزي. وأوضح العولقي في تصريحات صحفية، إن الحكومة أقرت في 19 مايو/أيار الماضي بدل غلاء معيشة بنسبة 20%، إلى جانب صرف العلاوات السنوية المستحقة، فيما تضمنت التعميمات التنفيذية الصادرة في 25 يونيو/حزيران تنفيذ العلاوات المتأخرة للأعوام من 2021 إلى 2025، وصرف الزيادة المعتمدة لموظفي وحدات الخدمة العامة. وأشار إلى أن الوزارة تستعد لفتح باب التسويات الوظيفية بعد استكمال ملف الصرف، بما يتيح معالجة استحقاقات أخرى ظلت معلقة، ويقر العولقي بأن الزيادة، على أهميتها، لا تمثل معالجة نهائية للفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، بل خطوة أولى ضمن مسار أوسع لمراجعة الأجور والمرتبات وفق المتغيرات الاقتصادية والإمكانات المالية للدولة. شح الموارد لا يلغي الالتزامات ويرى الصحفي الاقتصادي محمد الجماعي أن إصرار الحكومة على استكمال إجراءات العلاوات وبدل غلاء المعيشة، رغم شح الموارد، يرتبط بتأخر هذه الاستحقاقات سنوات طويلة، وبكونها التزاماً قانونياً وأخلاقياً ينبغي الوفاء به. وقال الجماعي في تصريحات لـ"الصحوة نت" إن كلفة الحرب وتبعاتها تفرضان على الحكومة تعزيز حضور الدولة واستعادة ثقة المواطنين بمؤسساتها، ولا سيما في المرحلة الراهنة. ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية الخطوة على مقدار الزيادة المالية، بل تشمل انتظام دورة الرواتب بوصفها مؤشراً على استمرار المؤسسات العامة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وأضاف أن الزيادة المقررة بنسبة 20% تمثل خطوة إيجابية، لكنها لا تعوض الأعباء المتراكمة جراء الحرب والنزوح والتدهور الاقتصادي والانقسام النقدي، ولا تسد الفجوة الناتجة عن تآكل القوة الشرائية للرواتب. وأكد الجماعي أن انتظام الرواتب يكتسب أهمية خاصة لارتباطه بفئات يعتمد عليها المجتمع في تسيير شؤونه اليومية، من العاملين في التعليم والصحة والأمن والجيش، إلى المتقاعدين وغيرهم من المستفيدين من الاستحقاقات الحكومية. فاستمرار الدخل، حتى عندما تكون قيمته محدودة، يظل عنصراً أساسياً في قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها. وشدد على أن الحكومة لا ينبغي أن تتخلى عن مسؤوليتها في معالجة أزمة الرواتب بمناطق سيطرة الحوثيين، داعياً إلى إيجاد مسار يفضي إلى حل هذه المعضلة، التي قال إنها تحولت إلى كارثة إنسانية واقتصادية ممتدة. وربط الجماعي استمرار الأزمة بإجراءات اتخذها الحوثيون، من بينها عدم توريد الإيرادات، ورفض التعامل بالطبعة النقدية الجديدة، وتعثر المفاوضات المتعلقة بالرواتب. وأشار إلى أن اتفاق ستوكهولم كان أحد المسارات التي طُرحت لمعالجة الملف، لكن الجهود المرتبطة بآلية الصرف لم تصل إلى حل مستدام. تخفيف الأعباء من جانبه، يرى الأكاديمي بجامعة تعز الدكتور عبدالوهاب العوج أن استكمال إجراءات العلاوات والزيادة المقررة يعكس، وفق تقديره، وجود إرادة لدى صانع القرار السياسي لتحسين أوضاع الموظفين في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، رغم الأزمة المالية وشح الموارد وتراجع الإيرادات العامة. وقال العوج، في تصريحات لـ"الصحوة نت"، إن توقف تصدير النفط والغاز، عقب استهدافات طالت منشآت ومناطق التصدير، ألقى بآثار كبيرة على موازنة الدولة، إلى جانب التحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب. ومع ذلك، اعتبر أن مواصلة الإجراءات المتعلقة بمستحقات الموظفين تمثل محاولة لتخفيف جانب من معاناتهم وتحسين أوضاع الجهاز الإداري للدولة. وأشار الأكاديمي إلى أن أهمية هذه الخطوة تتجاوز قيمتها المالية المباشرة، بالنظر إلى اعتماد قطاع واسع من الموظفين على الرواتب لتأمين احتياجات أسرهم، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية. واستشهد العوج بالفارق الكبير بين دخول الموظفين في اليمن ومستويات الأجور في دول أخرى، موضحاً أن رواتب الموظفين العاديين في اليمن تتراوح، وفق تقديراته، بين 70 و100 دولار شهرياً، فيما يبلغ راتب الأكاديمي نحو 150 دولاراً، بعدما كان يعادل قرابة 1800 دولار قبل الحرب. ورأى أن الزيادة المقررة بنسبة 20%، رغم محدوديتها مقارنة بحجم التراجع في قيمة الأجور، تظل خطوة إيجابية إذا أسهمت في تخفيف الأعباء المعيشية، مؤكداً أن تعافي العملة الوطنية واستعادة قيمتها الشرائية يمثلان أساساً لأي معالجة اقتصادية مستدامة. كما أشار العوج إلى أهمية الدعم السعودي في مساندة الموازنة الحكومية والمساعدة في الوفاء بالالتزامات الأساسية، معتبراً أن استقرار الأوضاع الاقتصادية في المناطق الخاضعة للحكومة يرتبط بقدرة مؤسسات الدولة على مواصلة تقديم الخدمات ودفع الرواتب. أزمة الرواتب في مناطق المليشيا في المقابل، تظل أزمة رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين إحدى أبرز النتائج الاجتماعية والاقتصادية للحرب، بعدما حُرم عدد كبير من العاملين في القطاع العام من الحصول على رواتبهم بانتظام منذ سنوات. ويقول محمد الجماعي إن الحوثيين اتخذوا إجراءات أسهمت في إغلاق مسارات التوصل إلى حل، من بينها عدم توريد الإيرادات وتعثر التفاهمات بشأن آلية صرف الرواتب. ودعا الحكومة اليمنية، رغم مسؤولياتها في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إلى مواصلة البحث عن مخرج يضمن معالجة أوضاع الموظفين في بقية البلاد. وتواصل مليشيا الحوثي حرمان موظفي الدولة من رواتبهم والتنصل من أي التزامات تجاههم، متذرعةً كذباً بشح الموارد. وفي الوقت الذي تسرق فيه قوت المواطنين وتنهب تريليونات الريالات سنوياً من الضرائب والجمارك وعائدات موانئ الحديدة؛ وهي الأموال التي كان يُفترض أن تُخصص لدفع الرواتب بموجب الاتفاقيات الأممية، لتسخرها بدلاً من ذلك لتمويل آلة حربها العبثية وإثراء قياداتها السلالية. وفي مسعى خبيث لاختطاف مؤسسات الدولة، تعنتت المليشيات الحوثية ورفضت كافة المقترحات الأممية لصرف الرواتب وفقاً لكشوفات ما قبل الانقلاب المشؤوم في عام 2014، ويهدف هذا التعنت إلى فرض عناصرها الطائفية ومسلحي ما يسمى بـ"اللجان الشعبية" ضمن كشوفات الراتب الرسمية، في محاولة لشرعنة ميليشياتها ونهب مقدرات الدولة لصالح أتباعها. ويشير العوج إلى أن الحوثيين حوّلوا الراتب، بحسب وصفه، إلى ما يشبه المنحة التي تُمنح لبعض الفئات والنافذين والعاملين معهم، بدلاً من التعامل معه بوصفه استحقاقاً وظيفياً عاماً. ويعكس هذا التوصيف، من وجهة نظره، اتساع الفجوة بين حقوق الموظفين وآليات الصرف في مناطق سيطرة الجماعة. وتكشف أزمة الرواتب في اليمن عن تباين في التعامل مع أحد أهم حقوق الموظفين؛ فبينما تمضي الحكومة في استكمال إجراءات العلاوات والزيادة المقررة رغم شح الموارد، لا يزال موظفون في مناطق سيطرة الحوثيين محرومين من رواتبهم المنتظمة منذ سنوات.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows