"اعملوا مجاناً".. خطاب حوثي يشرعن جوع اليمنيين ويتنصل من حقوقهم
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

أشعلت تصريحات القيادي في مليشيا الحوثي الإرهابية محمد مفتاح، المعيّن قائمًا بأعمال رئيس حكومة الجماعة غير المعترف بها دوليًا، موجة واسعة من الغضب والسخرية، بعدما دعا المواطنين الذين يشكون من الجوع والفقر إلى التوقف عن نشر معاناتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتوجه للبحث عن أعمال متاحة حتى وإن كانت دون مقابل مادي.

وجاءت تصريحات مفتاح في وقت تشهد فيه المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي أوضاعًا معيشية في غاية الصعوبة، مع استمرار انقطاع رواتب مئات الآلاف من الموظفين منذ سنوات، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وعجز كثير من الأسر عن توفير احتياجاتها الأساسية، في ظل أزمة إنسانية تعد من الأسوأ على مستوى العالم.

موجة غضب واسعة

وأعادت هذه التصريحات إلى الواجهة سلسلة مواقف مماثلة صدرت عن قيادات في المليشيا خلال السنوات الماضية، قابلت مطالب الموظفين بصرف رواتبهم بخطابات تبريرية أو ساخرة، رغم استمرار المليشيا في تحصيل الإيرادات والجبايات وتوجيه موارد كبيرة لتمويل أنشطتها وفعالياتها المختلفة.

وفي سياق الانتقادات، سخر فيصل أمين أبوراس، عضو برلمان صنعاء الخاضع لمليشيا الحوثي، وغير المعترف به، من مضمون التصريحات، معتبرًا أنها تروج لفكرة عبثية مفادها أن العاطلين عن العمل يمكنهم تجاوز البطالة عبر العمل دون مقابل، بينما تبقى أسباب الفقر والجوع وانعدام الدخل قائمة دون أي حلول فعلية.

كما وصف الباحث والكاتب السياسي عمار التام حديث مفتاح بأنه يعكس حالة من الازدراء لمطالب المواطنين وشكاواهم، معتبرًا أن طريقة حديثه وتعاطيه مع معاناة الناس كشفت حجم الفجوة بين قيادات المليشيا والمواطنين الذين يواجهون ظروفًا معيشية متفاقمة منذ سنوات.

وأشار التام إلى أن المشكلة لا تقتصر على تصريح القيادي الحوثي محمد مفتاح ذاته، بل تمتد إلى وجود شخصيات يمنية تدافع عن هذه السلالة العنصرية وممارساتها الإجرامية وتتجاهل ما يتعرض له المجتمع من إفقار وتضييق.

ورأى صحفيون وناشطون أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالتصريح ذاته بقدر ارتباطها بما يمثله من خطاب متكرر داخل المليشيا، يقوم على التقليل من معاناة المواطنين والتعامل مع مطالبهم المعيشية بوصفها شكاوى يمكن تجاوزها بالنصح والخطاب الوعظي بدلاً من تقديم حلول اقتصادية ومعالجات واقعية.

نمط متكرر

لم تكن تصريحات محمد مفتاح الأولى من نوعها في سجل قيادات مليشيا الحوثي، إذ سبقتها خلال الأشهر الماضية مواقف مشابهة أثارت استياءً واسعًا، كان أبرزها تصريح وزير مالية المليشيا الذي رد على مطالب الموظفين بصرف مرتباتهم بالقول: "ما يخلق المعدوم إلا الله"، في إشارة اعتبرها كثيرون تنصلًا من المسؤولية تجاه ملايين الموظفين.

وأعاد تصريح مفتاح إلى الأذهان ذلك الخطاب الذي دأبت قيادات المليشيا على استخدامه عند الحديث عن أزمة الرواتب، حيث يجري التعامل مع مطالب الموظفين باعتبارها أزمة لا تملك الجماعة حلًا لها، رغم استمرار سيطرتها على مؤسسات الدولة والإيرادات العامة في المناطق الخاضعة لنفوذها.

ويعيش مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية دون رواتب منتظمة منذ سنوات، في وقت يواصل فيه كثير منهم أداء أعمالهم في قطاعات التعليم والصحة والخدمة المدنية، معتمدين على مصادر دخل بديلة أو مساعدات محدودة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرهم.

وقال الصحفي فؤاد النهاري إن محمد مفتاح لم يكن أول قيادي حوثي يسخر ممن يبحثون عن قوت يومهم أو يطالبون برواتبهم، مؤكداً أن هذا الخطاب سبق أن تكرر على لسان قيادات أخرى في المليشيا، بينها محمد علي الحوثي، الذي انتشرت له فيديوهات وهو يسخر من معاناة اليمنيين وجوعهم، مشيرًا إلى أن السخرية من معاناة المواطنين تحولت إلى سلوك متكرر داخل المليشيا.

وتكشف هذه التصريحات المتعاقبة من قبل قيادات مليشيا الحوثي، بحسب مراقبين، عن نهج ثابت في التعامل مع ملف الرواتب، يقوم على تبرير الأزمة أو التنصل من تبعاتها، بدلاً من تقديم إجابات واضحة حول مصير الإيرادات العامة أو طرح معالجات عملية تنهي معاناة الموظفين المستمرة منذ سنوات.

إيرادات هائلة

تتزامن تصريحات قيادات مليشيا الحوثي بشأن الجوع والرواتب مع استمرار الجماعة في إدارة موارد مالية واسعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، تشمل الضرائب والجمارك والزكاة وعائدات الاتصالات والمشتقات النفطية والرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية والمنافذ المختلفة.

ورغم هذه الموارد، لا يزال ملف الرواتب واحدًا من أكثر القضايا إلحاحًا في مناطق سيطرة المليشيا، حيث يعيش مئات الآلاف من الموظفين وأسرهم دون مرتبات منتظمة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى اللجوء للديون أو بيع ممتلكاتهم أو البحث عن أعمال إضافية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وفي المقابل، تواصل المليشيا تخصيص موارد كبيرة لتمويل فعالياتها وأنشطتها التعبوية والطائفية، بما في ذلك المهرجانات والحملات الإعلامية وتزيين الشوارع والمباني في المناسبات المرتبطة بمشروعها الفكري والسياسي، ما يثير تساؤلات متكررة حول أولويات الإنفاق في مناطق سيطرتها.

ويرى محللون أن دعوة المواطنين إلى العمل دون أجر تتجاهل حقيقة أن مسؤولية معالجة الأزمة الاقتصادية وصرف الرواتب تقع على عاتق السلطة المسيطرة على مؤسسات الدولة والموارد العامة، لا على الموظفين الذين حُرموا من حقوقهم لسنوات طويلة.

وتحولت قضية الرواتب خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز الملفات التي تكشف التناقض بين حجم الجبايات والإيرادات التي تتحصل عليها المليشيا وبين استمرار الأزمة المعيشية، في ظل غياب أي خطوات جادة تضع حدًا لمعاناة الموظفين أو تقدم معالجة مستدامة لأوضاعهم الاقتصادية.

وسيلة إخضاع

منذ وصول مليشيا الحوثي العاصمة صنعاء وسيطرتها على مفاصل الدولة، تحولت أزمة الرواتب المتواصلة إلى أداة ضغط حوثية أثرت بصورة مباشرة على حياة المواطنين وخياراتهم اليومية، في ظل اتساع رقعة الفقر والاعتماد على المساعدات المحدودة.

ويتحدث باحثون ومراقبون عن ربط متزايد بين الاحتياجات المعيشية الأساسية وبين مستوى الانخراط في الأنشطة والبرامج التي تنظمها المليشيا، حيث وجد آلاف الموظفين والمعلمين أنفسهم أمام أوضاع اقتصادية صعبة دفعت بعضهم إلى القبول بواقع لم يكونوا مستعدين له في السابق.

ومع استمرار انقطاع المرتبات، باتت الحوافز والمساعدات والمبالغ التي تُصرف بصورة متقطعة تشكل موردًا بديلًا للكثير من العاملين في مؤسسات الدولة، بينما ارتبط الحصول على بعض الامتيازات والخدمات بحضور الفعاليات التعبوية أو المشاركة في الأنشطة المرتبطة بمشروع المليشيا.

كما امتد تأثير الأزمة إلى قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك المعلمون والأكاديميون والمزارعون وأصحاب الدخل المحدود، الذين واجهوا ضغوطًا اقتصادية متزايدة، في وقت أحكمت فيه المليشيا سيطرتها على العديد من الموارد والخدمات الأساسية المرتبطة بحياة المواطنين.

وخلال السنوات الماضية، دفعت هذه الأوضاع أعدادًا متزايدة من اليمنيين إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين نحو المحافظات المحررة أو خارج البلاد، بحثًا عن فرص عمل ومصادر دخل أكثر استقرارًا، بعيدًا عن واقع اقتصادي يزداد تدهورًا عامًا بعد آخر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية