ومن الطبيعي أن مسيرة هدف وطني بهذا الحجم لم تكن مفروشة بالورود. فقد رافقت هذاالمسير أخطاء وعثرات، وتعاقبت عليه أزمات ومنعطفات قاسية، وتعرّض لاختبارات عسيرةحاولت النيل منه أو التشكيك بجدواه. لكن المشاريع الكبرى لا تُقاس بسنوات التعثر، وإنمابقدرتها على تجاوز العواصف والاستمرار في السير نحو المستقبل. والوحدة اليمنية، رغم مااعترض طريقها من عقبات، ظلت ثابتة بإرادة أبنائها، ولم توقفها حملات المتربصين، ولا أصواتاليائسين، ولا الذين تساقطوا على جنبات طريقها.
غير أن لحظتنا الراهنة تفرض علينا قدرًا أكبر من الصراحة والمسؤولية. فالتحدي الأخطر الذييهدد اليوم كل مكتسبات اليمنيين، وفي مقدمتها الوحدة، لا يكمن في الخلافات السياسيةالعابرة أو التباينات الطبيعية في الرؤى، بل في هدم مداميك الدولة ذاتها وتقويض مؤسساتهاوالانقلاب على أسسها الجامعة. فعندما تتصدع الدولة، تتسع الفوضى، وتصبح أبواب الوطنمفتوحة لكل المشاريع الصغيرة التي تنمو فوق ركامها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب الدولة لا يخلق بديلًا مستقرًا، وأن منطق القوةوالمليشيات لا ينتج وطنًا يتسع للجميع، بل يفتح أبوابًا لا تنتهي من التشظي والانقساموالاضطراب، ويهدد كل المكتسبات الوطنية التي تحققت في حياة اليمنيين، وفي مقدمتهاالوحدة. ولهذا فإن استعادة الدولة ليست مجرد بند سياسي أو أولوية ظرفية، بل هي الشرطالضروري والأساس الذي لا غنى عنه لمعالجة كل الأزمات المزمنة التي أنهكت اليمنيين.
واستعادة الدولة المنشودة لا تتحقق بالشعارات أو الحسابات الضيقة، بل بالعودة إلى روحالتوافق الوطني واحترام الاتفاقات والمواثيق التي صاغها الجميع، وأنتجت السلطات القائمة،وحددت استحقاقات المرحلة، وأكدت على بناء شراكة وطنية واسعة في مواجهة مشاريعالانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة. فالأوطان لا تُبنى بالإقصاء، وإنما بالشراكة، ولا تُحمىبالغلبة، وإنما بالتوافق والإرادة الجمعية.
إن الدولة التي يحلم بها اليمنيون هي الدولة الضامنة للجميع؛ دولة تحكمها المؤسسات،ويسود فيها القانون، وتتراجع فيها مظاهر العبث والانفلات، وتختفي من فضائها سطوةالمليشيات ومراكز النفوذ الخارجة عن النظام العام. تلك الدولة وحدها القادرة على توفير بيئةآمنة ومستقرة يستطيع الناس فيها أن يناقشوا خياراتهم حول طبيعة النظام السياسي والسلطةوشكل الدولة ومستقبلها، وأن يحددوا مصائرهم بإرادة حرة لا تفرضها فوهات البنادق ولاضغوط الفوضى.
أما القفز على الواقع والمغامرات العدمية، فقد جرّبها اليمنيون مرارًا، ولم يحصدوا منها سوىالويلات والجراح والذكريات الثقيلة التي ما تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الوطنية. فالتاريخ لايرحم من يكرر أخطاءه، ولا يمنح الشعوب فرصًا لا تنتهي.
وفي ذكرى الوحدة اليمنية، لعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نستحضرها هي أن الوحدة لم تكنيومًا مجرد حدود جغرافية أو ترتيبات سياسية، بل كانت ـ وستظل ـ مرتبطة بوجود الدولةوتثبيت دعائمها. فالوحدة والدولة العادلة الضامنة للشراكة في السلطة والثروة صنوانمتلازمان، يقتضي وجود أحدهما الحفاظ على الآخر. ولا خوف على الوحدة حين تكون الدولةقائمة على المواطنة المتساوية وحماية الحقوق والحريات السياسية؛ لأن اليمنيين عرفوا غيرهامن الخيارات، وذاقوا مرارة الانقسام، واكتووا بنيران التشظي، وأدركوا أن الوطن حين يضعف،يخسر الجميع.
ستبقى الوحدة، رغم العثرات والجراح، واقعًا نعيشه أكبر من كل الأزمات؛ لأنها وُلدت منوجدان الناس، وما يولد من وجدان الشعوب يصعب أن تمحوه عواصف السياسة مهما اشتدت.
أخبار ذات صلة.