لبنانُ وحيرام والنبيُّ سليمان
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في ظلّ الانقسام اللبناني بشأن المفاوضات المباشرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بثّت قناة تلفزيونية لبنانية، أخيراً، برنامجاً حوارياً إشكالياً تناول احتمالات تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل، وفي رأي صارخ أبداه مشارك في الحوار، قال إنّ التطبيع المُحتمَل يستعيد علاقةً تاريخيةً بين اللبنانيين والإسرائيليين تعود جذورها إلى القرن التاسع قبل الميلاد، حين ارتبط حيرام (ملك مدينة صور الفينيقية) بعلاقة وثيقة مع الملك سليمان في "أورشليم"، كان من نتائجها بناء "هيكل سليمان"، المعروف في التوراة بـ"هيكل الربّ". ... تتكئ هذه الإشكالية الحوارية على خلفية نظرية تعود إلى مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وعلى الأرجح، أوّل من أطلق شرارتها حينها الشاعر سعيد عقل. ففي أكثر من حوار مصوَّر معه، أشاد بالعلاقة الوطيدة بين حيرام وسليمان، ودعا إلى الامتثال لها ومجاراتها. ورد في مقدّمة سفر الملوك الأول أنّ سليمان "انحرف إلى عبادة الأوثان"، واستهوته النساء كما في نصوص السفر نفسه تغيب عن كثيرين ممّن يقرأون نصوص التوراة مسألتان في غاية الأهمية والخطورة. الأولى تكفير تلك النصوص للكنعانيين (والفينيقيون منهم)، وبما يوجب القطيعة معهم وتحريم الزواج من بناتهم، ففي الوصايا المنسوبة إلى النبي إبراهيم، كما ورد في سفر تكوين، أنّه لمّا شاخ إبراهيم "قال لكبير خدم بيته ووكيل جميع أملاكه: أستحلفك بالربّ إله السماء وإله الأرض، ألا تأخذ لابني زوجة من بنات الكنعانيين الذين أنا مقيم بينهم"، وفي السفر نفسه، يرد عن يعقوب هذه المرّة، "دعا إسحق ابنه يعقوب وباركه وأوصاه وقال: لا تأخذ امرأة من بنات كنعان". والمسألة الثانية تُخرج سليمان من قائمة الأنبياء، وتحصره في دائرة الملوك المنحرفين والضالّين عن الإيمان، ولذلك تتعهّد نصوص التوراة بتحجيم نسله لأنّه "أخطأ بحقّ الربّ"، وخرج عن شريعة ربّه ووصايا آبائه، أي أنّه ضلّ وزاغ. في سيرة سليمان، كما ترويها التوراة، أنّه وُلد لامرأة تُدعى بتشبع، كان والده داود قد واقعها وهي على ذمّة قائده العسكري أوريا، وعلى ما ينصّ سفر صموئيل الثاني، وتحت عنوان "داود وبتشبع": "لما جاء الربيع، وهو وقت خروج الملوك إلى الحرب، أرسل داود (قائد جيشه) يوآب والقادة معه، فسحقوا بني عمون، وبقي داود في أورشليم، وعند المساء تمشّى على سطح القصر، فرأى امرأةً فسأل عنها، فقيل هذه زوجة أوريا الحثّي، فدخل عليها ونام معها، ثم رجعت إلى بيتها". ولمّا استؤنفت الحرب، "كتب داود إلى يوآب مكتوباً يقول فيه: وجّهوا أوريا إلى حيث يكون القتال شديداً، وارجعوا من ورائه فيضربه العدو ويموت". وبالفعل، قُتل أوريا وسط صليل السيوف، "وسمعت زوجته أنّ زوجها مات، فناحت عليه، ولمّا انتهت أيّام مناحتها، ضمّها داود إلى بيته، فاتخذها زوجةً له وولدت ابناً سمّاه سليمان". وأمّا الوسيلة التي عبّدت طريق المُلك لسليمان، فتلك قصّة تُروى، وموجزها، كما يروي سفر الملوك الأول، أنّ والدته بتشبع توافقت مع يوناثان النبي على إقناع داود بأنّه أقسم بأن يخلفه سليمان، فركن داود إلى الشهادتَين بعدما كانت شيخوخته قد بلغت به مبلغاً، وبذلك تولّى سليمان المُلك وأبعد أخاه "أدونيا" وقتله بعد حين. في مقدّمة سفر الملوك الأول، ورد أنّ سليمان "انحرف إلى عبادة الأوثان"، واستهوته النساء كما في نصوص السفر نفسه، فقد "أحبّ سليمان، فضلاً عن ابنة فرعون، نساء غريبات من الموآبيين والعمونيين والصيدونيين والحثّيين، ومن الأمم التي عناها الربّ بقوله لا تختلطوا بهم ولا يختلطوا بكم، فهم يميلون بقلوبكم إلى آلهتهم، فتعلّق بهنّ سليمان حبّاً، فكان له 700 زوجة من الأميرات و300 جارية، فأزاغت نساؤه قلبه، وفي زمن شيخوخته مالت زوجاته بقلبه إلى آلهة غريبة، فلم يكن قلبه مخلصاً للربّ إلهه، وتبع سليمان عشتروت إلهة الصيدونيين، وفعل الشرّ أمام عيني الربّ، ولم يتبع الربّ بكلّ قلبه". تلك هي صورة سليمان في النصّ التوراتي: مائل عن ربّه وزائغ نحو النساء، وبناءً على هذه الصورة، "فقد أقام الربّ خصماً لسليمان من نسل ملوك أدوم، وأثار الربّ خصماً آخر لسليمان هو روزن بن أليداع، وثار أيضاً على سليمان يربعام، وصادفه أخيا النبي في الطريق وقال ليربعام: الربّ إله إسرائيل يقول لك: ها أنا آخذ المملكة من يد سليمان وأعطيك عشرة أسباط، وله يكون سبط واحد، وأنا أفعل ذلك لأنّ سليمان تركني وسجد لعشتروت آلهة الصيدونيين ولكموش إله الموآبيين وملكوم إله بني عمون، ولم يسلك طرقي ولا تمسّك بأحكامي وفرائضي". بعد وفاة سليمان، تملّك ابنه رحبُعام المُلك، وجاءه بنو إسرائيل، على ما يروي سفر الملوك الأول، ملتاعين يشكون قسوة أبيه، وقالوا له: "أبوك أثقل نيره علينا، فخفّف من نيره الثقيل ومن عبوديته الشاقّة". فأجابهم، بعد مشورة أترابه: "أبي أثقل نيركم وأنا أزيده". وفي سفر أخبار الأيام الثاني، بعدما ثبّت رحبُعام دعائم ملكه، "ترك شريعة الربّ، هو وجميع شعبه، وفعل الشرّ لأنّه لم يعمل بإرادة الربّ من كلّ قلبه". عقب قراءة تلك النصوص، يقترب الاستنتاج من القول إنّ سليمان وابنه رحبُعام قد خرجا من الملّة والدين، وهذا ما ينصّ عليه القول الصريح في المقدّمة المكتوبة لسفر الملوك الأول، ما يجعل الربط بين علاقة حيرام وسليمان، والشريعة التي تدعو التوراة إليها فاقداً وجوده، بل يبدو سليمان في النصّ أقرب إلى أن يكون ملكاً فينيقياً (كنعانياً) تعاون مع نظيره الفينيقي حيرام، ملك صور، ولذلك أدانته التوراة لأنّه أقام معبداً لعشتروت الصيدونية و"آلهة أخرى"، وهذا ما فعله ابنه رحبُعام، فيما والدة حفيده "آسا" كانت تصنع التماثيل لعشتروت. تثير قراءة العلاقة بين حيرام وسليمان تساؤلات عمّا إذا كانت علاقة بين الكنعانيين والإسرائيليين أم بين الكنعانيين والكنعانيين؟ وأمّا "آخاب" الذي "تتوجّه" التوراة ملكاً على إسرائيل، فقد "فعل الشرّ أكثر من جميع من تقدّمه، فتزوّج إيزابيل ابنة البعل ملك الصيدونيين، وعبد البعل وسجد له، وأقام نصباً لعشيرة/ عشتروت". ويفيد ذلك بأنّ الديانة الكنعانية كانت كثيفة الانتشار في فلسطين المحتلّة، وملوكها المنسوبون إلى ملوك إسرائيل، بمن فيهم حيرام وابنه، كانوا كنعانيي الديانة أو قريبين منها، وهذا ما يتوجّب خوضاً بحثياً يُعيد قراءة تناقضات التوراة وموقفها من تأثيم سليمان، وما إذا كان لذلك الأمر علاقة بمسعى العهد القديم بادعاء أسبقية التوحيد، وهذه مسألة يتوقّف عندها أستاذ الحضارات والأديان القديمة، العراقي خزعل الماجدي. وحول نقطة التوحيد ذاتها، يمكن الاستعانة بما جاء في التوراة الكنعانية للإيطالي هـ. ديل ميديكو (دار دمشق، 1988)، الذي يعرض ويقرأ حفريات ونقوش مدينة "أوغاريت" السورية، وكيف يرد في بعض القصائد استخدام مصطلح "شعب إيل" أو "شعب السيّد"، وبما يعني "شعب الله"، والمقصود به الكنعانيون، وهو ما يوازي استخدام التوراة لمصطلح "شعب الله المختار". وتثير هذه القراءة تساؤلات عمّا إذا كانت العلاقة بين حيرام وسليمان علاقة بين الكنعانيين والإسرائيليين أم بين الكنعانيين والكنعانيين؟ يبقى أخيراً استحضار ما يقوله سفر الملوك الأول عن قصر سليمان وهيكل الربّ: "وبما أنّ حيرام ملك صور أمدّ سليمان بخشب الأرز والسرو والذهب، أعطاه سليمان عشرين مدينة في أرض الجليل". وفي منطق "الحقّ التاريخي" المعتوه، على لبنان أن يطالب باستعادة 20 مدينة لبنانية محتلّة في الجليل (!).

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية