عربي
"نريد أوروبا مختلفة"، بهذه العبارة افتتحت حكومة التشيك الجديدة بيانها السياسي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في تعبير يعكس تحولاً تدريجياً في موقع براغ داخل الاتحاد الأوروبي. ويطرح البيان، الذي تقف وراءه أحزاب ائتلافية بزعامة أندريه بابيش، مقاربة تقوم على التعاون مع بروكسل "حيث يكون ذلك منطقياً"، مقابل توسيع هامش السيادة الوطنية في الملفات الداخلية، ما أثار مخاوف أوروبية من انزلاق هادئ نحو نهج أكثر تشككاً بالمشروع الأوروبي.
خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت هذه الرؤية تتحول إلى مقترحات تشريعية وإصلاحات يعتبرها منتقدون مساساً بمؤسسات الدولة الديمقراطية، ولا سيما استقلال الإعلام ودور المجتمع المدني. وتحذر المعارضة من أن التشيك قد تتحرك تدريجياً في مسار مشابه للنموذج المجري السابق بقيادة فيكتور أوربان، بما يحمله ذلك من تآكل للضوابط المؤسسية وتراجع في المعايير الليبرالية داخل الاتحاد الأوروبي.
سياسياً، يقوم المشهد في براغ على ائتلاف تقوده حركة "ANO" بزعامة بابيش، وهو حزب شعبوي براغماتي يهيمن على القرار التنفيذي. ويشاركه الحكم حزب الحرية والديمقراطية المباشرة (SPD) اليميني المتشدد المناهض للهجرة والناقد لسياسات الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى حزب سائقي السيارات (Motoristé) المحافظ، الذي يضع أولوية لمعارضة السياسات البيئية الأوروبية، خصوصاً "الصفقة الخضراء". ويعكس هذا التشكيل مزيجاً متبايناً بين شعبوية براغماتية وخطاب يميني أكثر حدة، ما يضع سياسات الائتلاف في حالة توازن دائم بين الالتزام بالاتحاد الأوروبي ومحاولة إعادة تعريف حدود السيادة الوطنية من داخله.
إعادة هيكلة تمويل الإعلام في التشيك
في التشيك لا يظهر الجدل حول حرية الإعلام في صورة قيود مباشرة، بل عبر مسار تدريجي من تحولات تشريعية وسياسية، تثير قلقاً متزايداً لدى الصحافيين والمعارضة، مع مقارنات متكررة بتجربة فيكتور أوربان في المجر. ويتمحور ذلك حول إعادة هيكلة تمويل الإعلام العام بما قد يحدّ من استقلاليته ويعزز ارتباطه بقرارات الحكومة، ما ينعكس على هامش الحرية التحريرية. بالتوازي، تُطرح مقترحات جديدة لتعزيز "الشفافية المالية" للمنظمات ووسائل الإعلام عبر تتبع مصادر التمويل الداخلي والخارجي.
في التشيك لا يظهر الجدل حول حرية الإعلام في صورة قيود مباشرة بل عبر مسار تدريجي من تحولات تشريعية وسياسية
ورغم الطابع التنظيمي المعلن، يرى منتقدون أنها قد تتحول إلى أداة ضغط غير مباشر أو وسيلة للتشكيك في المصداقية. ويزداد المشهد تعقيداً مع خطاب سياسي شعبوي ينتقد الإعلام ويتهمه بالانحياز، إلى جانب جدل حول تضارب المصالح وتداخل السياسة ورأس المال. كما يثير "قانون تسجيل الوكلاء الأجانب" مخاوف إضافية، إذ يفرض سجلاً للمنظمات الممولة من الخارج، مع إلزامها بالكشف عن مصادر التمويل والشركاء، وغرامات قد تصل إلى 15 مليون كرونة تشيكية (نحو 700 ألف دولار) عند المخالفة.
وفي السياق نفسه، تعمل الحكومة على إعادة تنظيم تمويل الإعلام العام عبر دعم مباشر بدلاً من النظام التقليدي، ما يثير نقاشاً حول إمكانية استخدام التمويل أداةَ تأثير على الخط التحريري. وقد انعكست هذه التطورات في احتجاجات في براغ عبّر خلالها صحافيون ونشطاء عن مخاوف من تراجع الاستقلال الإعلامي وتقلص مساحة العمل المدني. وتتشكل الصورة العامة من تداخل أدوات قانونية وضغوط سياسية وخطاب شعبوي، ما يثير مخاوف من تآكل تدريجي لاستقلال الإعلام والمجتمع المدني، أكثر من كونه تقييداً مباشراً للحريات.
تباين مع أوروبا بشأن ملف أوكرانيا
ورغم تأكيد أندريه بابيش أن جمهورية التشيك ستبقى ضمن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، فإن مقاربته لملف أوكرانيا تعكس تبايناً واضحاً مع الخط العام في بروكسل. فبينما يدفع الاتحاد نحو تعزيز الدعم المالي والعسكري لكييف على المدى الطويل، يطرح بابيش رؤية أكثر تحفظاً تقوم على تقليص الانخراط المباشر للدول الأعضاء، وربط الدعم حصراً بالآليات الأوروبية الجماعية بدل التزامات وطنية إضافية.
لا يعارض بابيش استمرار دعم أوكرانيا من حيث المبدأ، لكنه يضعه ضمن حدود "القدرة الاقتصادية" للتشيك، مع أولوية واضحة للإنفاق الداخلي وتجنّب توسيع المساهمات العسكرية أو المالية خارج الإطار الأوروبي المشترك. وينعكس ذلك في تحفظه على رفع الإنفاق الدفاعي طويل الأمد، وعلى بعض برامج التمويل المباشر لكييف، مقابل دعم أكثر انتقائية وأقل كلفة وطنياً.
هذا الفارق في المقاربة يضعه ضمن تيار أوسع في أوروبا الوسطى يسعى إلى إعادة ضبط العلاقة مع سياسات الاتحاد في ملفات الأمن والحرب من داخل المنظومة لا من خارجها. وبالتالي، لا يبدو موقفه قطيعة مع بروكسل بقدر ما هو إعادة تعريف هادئة لأولويات التضامن الأوروبي بين الالتزام الجماعي والحسابات الوطنية.
يعتمد بابيش مقاربة براغماتية داخل مؤسسات الاتحاد تقوم على التفاوض وانتزاع المكاسب بدل المواجهة المباشرة
في بروكسل، تثير هذه التوجهات مخاوف من اتساع التباين داخل الاتحاد بشأن قضايا الأمن والطاقة والهجرة، في ظل ضغوط سياسية متزايدة على المشروع الأوروبي. كما يُنظر إلى بابيش بوصفه جزءاً من موجة أوسع في أوروبا الوسطى تعيد صياغة العلاقة مع الاتحاد من الداخل، مع تقاطعات جزئية مع خطاب أوربان وغيره، خصوصاً في ما يتعلق بالسيادة الوطنية والتشكيك بالمؤسسات الأوروبية والضغط على المجتمع المدني، وإن كان ذلك ضمن نهج أكثر براغماتية وأقل صدامية.
لكن بخلاف أوربان، يعتمد بابيش مقاربة براغماتية داخل مؤسسات الاتحاد تقوم على التفاوض وانتزاع المكاسب بدل المواجهة المباشرة، ما يجعله أقرب إلى "تيار متحفظ" منه إلى مشروع أيديولوجي صدامي. بالتالي، لا تبدو الحالة التشيكية قطيعة مع المشروع الأوروبي بقدر ما هي إعادة تفاوض هادئة على شروطه من الداخل، مع ما قد يحمله ذلك من تأثيرات طويلة المدى على توازن الاتحاد في ظل تصاعد الخطابات الشعبوية الداعية إلى "استعادة السيادة" مقابل مزيد من التكامل الأوروبي.

أخبار ذات صلة.
نافذة مفاوضات قبل «نفاد صبر» ترمب
الشرق الأوسط
منذ ساعتين
أجسام مجهولة تراقبنا
العربي الجديد
منذ ساعتين
أنقذوا سورية قبل فوات الأوان
العربي الجديد
منذ ساعتين