بعد 11 عاماً من الإخفاء القسري.. لماذا فشلت الجهود الأممية في الكشف عن مصير قحطان؟
حزبي
منذ 3 ساعات
مشاركة

أعادت مليشيا الحوثي فتح ملف السياسي اليمني المختطف محمد قحطان عبر رواية جديدة تزعم مقتله في قصف جوي عام 2015، دون تقديم أي دليل مادي أو قرائن رسمية تثبت صحة هذه الادعاءات، في خطوة وُصفت بأنها تعمّق الغموض المستمر حول مصيره منذ أكثر من عقد من الزمن.

 

وتأتي هذه الرواية بعد 11 عاماً على اختطاف قحطان من منزله في صنعاء وإخفائه قسراً في سجون سرية تابعة للمليشيا، في وقت تؤكد فيه أسرته وجهات سياسية وحقوقية أن معلومات سابقة كانت تشير إلى أنه ظل على قيد الحياة لسنوات بعد التاريخ الذي تدّعي المليشيا أنه قتل فيه جراء غارة جوية استهدفت مكان احتجازه.

 

ويثير الإعلان الحوثي الأخير موجة جديدة من التساؤلات بشأن مصير أحد أبرز القيادات السياسية المدنية في اليمن، خاصة في ظل غياب أي توثيق مستقل أو دليل طبي أو قانوني يدعم رواية القتل، واستمرار إدراج قضيته ضمن قرارات مجلس الأمن الدولي التي تطالب بالإفراج عنه دون قيد أو شرط.

 

وفي المقابل، تتمسك أسرته والقوى السياسية المعنية بأن ملف قحطان لم يُحسم بعد، وأن أي إعلان بوفاته يظل غير قابل للاعتماد ما لم يُدعّم بأدلة واضحة، معتبرة أن استمرار الغموض يعكس نمطاً من التوظيف السياسي لملف الإخفاء القسري في سياق الحرب التي أشعلتها المليشيا الحوثية.

 

أسرة قحطان تنفي المزاعم الحوثية

 

وردًا على المزاعم والتسريبات الحوثية، قدّمت أسرة السياسي اليمني محمد قحطان رواية تفصيلية تنفي ما تم تداوله بشأن وفاته، مؤكدة أنه لا يزال على قيد الحياة، وأن المزاعم التي تتحدث عن مقتله في غارة جوية عام 2015 تفتقر إلى أي دليل مادي أو تحقق مستقل.

 

وفي بيان صدر عنها، حمّلت الأسرة مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن سلامته ومصيره منذ اختطافه في 5 أبريل 2015، مشيرة إلى أن معلومات متراكمة خلال سنوات لاحقة تتعارض مع فرضية وفاته في العام ذاته.

 

وأوضحت الأسرة أن بعض الوساطات المحلية، إلى جانب إفادات من مختطفين أُفرج عنهم لاحقاً، أشارت إلى أن قحطان كان على قيد الحياة حتى مراحل متقدمة بعد عام 2015، وهو ما يتناقض مع الرواية التي تتبناها المليشيا.

 

كما استند البيان إلى سياقات تفاوضية لاحقة، من بينها ما جرى خلال جولات تبادل الأسرى في 2023، وما أُثير في سياق مفاوضات 2024، والتي تضمنت إشارات إلى استمرار إدراج اسمه ضمن قوائم التفاوض، بما يعزز عدم ثبوت واقعة الوفاة.

 

وأكدت الأسرة أن أي مسؤولية تتعلق بمصيره تقع على الجهة التي قامت باختطافه وإخفائه قسرًا، مجددة مطالبتها بالكشف الفوري عن مكانه أو الإفراج عنه دون تأخير، مؤيدة في الوقت نفسه الدعوات لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة في حال استمرار غياب الإفصاح الرسمي عن وضعه.

 

الإصلاح: قحطان على قيد الحياة

 

وفي سياق متصل، رفض حزب الإصلاح المزاعم الحوثية بشأن مقتل قحطان، مؤكدًا أن محمد قحطان على قيد الحياة، وأن لديه معلومات وصفها بـ"المؤكدة" تفيد بأن السياسي وعضو الهيئة العليا للحزب الأستاذ محمد قحطان لا يزال على قيد الحياة، رغم استمرار احتجازه وإخفائه قسريًا منذ أكثر من عشر سنوات في سجون مليشيا الحوثي.

 

وفي هذا السياق، حمّل الناطق الرسمي باسم الحزب، عدنان العديني، مليشيا الحوثي كامل المسؤولية القانونية والإنسانية عن حياة قحطان، باعتبارها الجهة التي قامت باختطافه وإخفائه قسرًا منذ العام 2015، مؤكدًا أن استمرار هذا الوضع يضع المليشيا أمام مسؤولية مباشرة عن سلامته.

 

وأوضح العديني، في تصريحات صحفية، أن ما وصفه بـ"التصريحات غير الأخلاقية" الصادرة عن بعض قيادات المليشيا بشأن ملف قحطان، يعكس حالة من الاستهتار والتلاعب بمصير المختطفين، محذرًا من خطورة تحويل القضية إلى مادة للاستهلاك السياسي أو المساومات الإعلامية.

 

وشدد على أن الإفراج الفوري عن محمد قحطان يمثل أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل أو التوظيف السياسي، مطالبًا بوقف أي محاولات لفرض روايات متضاربة حول مصيره دون تقديم أدلة أو معلومات قابلة للتحقق.

 

وكان العديني قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن "الخفة واللا مسؤولية" في تعاطي مليشيا الحوثي مع ملف قحطان لا تعكس أي جدية في التعامل مع القضية، بل تكشف عن رغبة مستمرة في المماطلة وإدارة الملف بمنطق الاستهلاك الكلامي، حسب تعبيره.

 

وأكد أن الانسياق وراء الروايات والاحتمالات التي تطرحها مليشيا الحوثي دون تحقق، يثير تساؤلات جدية حول مسار التفاوض برمته، ومدى إمكانية بناء أي ثقة في التعاطي مع هذا الملف الإنساني المعقد.

 

وعود ذهبت أدراج الرياح

 

وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على اختطاف محمد قحطان، لا يزال ملفه مدرجًا ضمن قضايا الإخفاء القسري دون معلومات مؤكدة بشأن مكان احتجازه أو وضعه الصحي. وخلال هذه الفترة، أُدرج اسمه في عدد من الاتفاقيات والمسارات التفاوضية بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، غير أن هذه التفاهمات لم تُترجم إلى أي تقدم ملموس في كشف مصيره أو الإفراج عنه.

 

ففي اتفاق ستوكهولم (ديسمبر 2018)، الذي نص على تبادل الأسرى والمحتجزين بين الأطراف، تم إدراج قحطان ضمن القوائم المطروحة، إلا أن المليشيا لم تلتزم بالإفراج عنه، ولم تصدر عنها أي معلومات رسمية أو موثقة بشأن وضعه أو مكان احتجازه، مما عمّق حالة الغموض المحيطة بالقضية.

 

وفي جولة المفاوضات التي عُقدت في عمّان (يناير 2020)، تم الاتفاق على دفعات جديدة من عمليات تبادل الأسرى، غير أن اسم قحطان ظل خارج قوائم التنفيذ، دون تقديم تبريرات واضحة لعدم إدراجه ضمن المفرج عنهم، رغم المطالبات المستمرة من الجانب الحكومي اليمني.

 

كما استمرت قضية قحطان خلال جولات التفاوض اللاحقة بين 2021 و2023 كأحد الملفات المطروحة بشكل متكرر، حيث جرى التأكيد على ضرورة الإفراج عنه، في مقابل وعود متكررة من مليشيا الحوثي دون تنفيذ فعلي، الأمر الذي أبقى الملف في دائرة التعليق السياسي والإنساني.

 

وفي جولة مسقط (يونيو 2024)، أعاد الوفد الحكومي التأكيد على ضرورة الكشف عن مصيره والإفراج عنه ضمن أولويات ملف الأسرى، إلا أن المليشيا لم تقدم أي معطيات حاسمة أو التزامات واضحة بشأن وضعه، رغم استمرار الضغوط الإقليمية والدولية.

 

ويُلاحظ أن تكرار إدراج اسم قحطان في مسارات التفاوض دون نتائج تنفيذية يعكس حالة من الجمود في التعامل مع الملف، ويزيد من تعقيد القضية، في ظل غياب أي التزام قابل للتحقق أو آلية مستقلة تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، أو أي ضغوط أممية لتحقيق أي انفراجة في هذا الملف الإنساني.

 

قحطان خارج صفقات الإفراج

 

ويلاحظ أن مسارات تبادل الأسرى والمحتجزين منذ الانقلاب الحوثي على الدولة أفرزت تفاوتًا ملحوظًا في التعامل مع بعض القضايا، حيث شملت عمليات الإفراج عددًا من القيادات السياسية والعسكرية البارزة، من بينهم وزير الدفاع الأسبق اللواء محمود الصبيحي، واللواء ناصر منصور هادي، والعميد فيصل رجب، ضمن تفاهمات واتفاقات جرت برعاية أممية وإقليمية.

 

في المقابل، ظل ملف محمد قحطان خارج هذه الصفقات المكتملة، رغم إدراجه في مطالبات متكررة من الجانب الحكومي اليمني واعتباره ضمن القوائم المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2216، مما يثير تساؤلات حول طبيعة المعايير التي حددت أولويات الإفراج في تلك العمليات.

 

ويُلاحظ أن هذا التباين في التعاطي مع ملفات المحتجزين لم يرافقه توضيح رسمي من مليشيا الحوثي بشأن أسباب استبعاد قحطان من صفقات التبادل التي شملت شخصيات أخرى، سواء من حيث الوضع القانوني أو الاعتبارات التفاوضية، الأمر الذي ساهم في إبقاء القضية ضمن دائرة الغموض.

 

ويطرح استمرار هذا الاستثناء تساؤلات تحليلية حول ما إذا كان ملف قحطان يُدار وفق اعتبارات مختلفة عن بقية الملفات، خاصة في ظل غياب أي تقدم ملموس نحو الكشف عن مصيره أو إدراجه في أي تسوية مكتملة، رغم مرور أكثر من عقد على اختفائه.

 

أين الدور الأممي؟

 

كما يُعد ملف محمد قحطان من القضايا التي وُضعت مبكرًا ضمن الإطار الدولي عبر قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي نصّ صراحة على ضرورة الإفراج عنه دون قيد أو شرط، باعتباره أحد أبرز المحتجزين المشمولين بالقرار، إلى جانب عدد من القيادات السياسية والعسكرية الأخرى.

 

ورغم هذا الإطار القانوني الواضح، ظل حضور الأمم المتحدة في ملفه محصورًا في المسار التفاوضي العام دون تحقيق تقدم ملموس فيما يتعلق بكشف مصيره أو ضمان الإفراج عنه، إذ لم تُفعّل أي آلية رقابية أو تنفيذية تضمن تطبيق ما ورد في القرار بشأنه.

 

وفي تطور لافت، رفض مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن الإفصاح عن أي معلومات رسمية تتعلق بمصير قحطان، ردًا على تساؤلات إعلامية بشأن صحة تسريبات تحدثت عن إبلاغ مليشيا الحوثي وفد الحكومة في مفاوضات عُمان الأخيرة بمقتله في غارة جوية عام 2015.

 

وقالت المتحدثة باسم المبعوث الأممي، إسميني بالا، لموقع "المصدر أونلاين": "حرصًا على حماية المفاوضات، وكذلك المحتجزين وعائلاتهم، لا يمكن تقديم تفاصيل حول المحتجزين أو الحالات الفردية"، وهو موقف يعكس تحفظًا أمميًا على الخوض في تفاصيل الملف، دون تقديم أي مبررات بشأن ذلك.

 

ويُنظر إلى هذا الموقف بوصفه عاملاً إضافيًا في تعميق الغموض المحيط بالقضية، خصوصًا في ظل استمرار غياب أي معلومات موثقة أو تحقيق مستقل بشأن مصير قحطان، رغم مضي أكثر من عقد على اختفائه، كما يثير هذا التحفظ تساؤلات حقوقية وسياسية حول مدى قدرة المنظومة الأممية على إلزام الأطراف المتنازعة بتقديم معلومات دقيقة حول قضايا الإخفاء القسري، لا سيما في الملفات التي تشمل شخصيات مشمولة بقرارات دولية ملزمة.

 

لجنة تحقيق دولية

 

وتتزايد في هذا السياق الدعوات الحقوقية والسياسية المطالِبة بالانتقال بملف محمد قحطان من دائرة البيانات والتسريبات المتضاربة إلى مسار قانوني دولي أكثر صرامة، يقوم على تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تمتلك صلاحيات كاملة لكشف حقيقة مصيره.

 

ويستند هذا المطلب إلى حقيقة أن استمرار غياب المعلومات الموثقة، وتعدد الروايات غير المدعومة بأدلة، يجعل من القضية نموذجًا واضحًا لحالات الإخفاء القسري التي لا يمكن حسمها عبر التصريحات الأحادية أو التسريبات الإعلامية، بل عبر تحقيق مستقل يحدد الوقائع والمسؤوليات بشكل دقيق.

 

كما أن استمرار إدراج الملف في جولات التفاوض دون نتائج ملموسة، وغياب أي ضغط دولي فعال لإلزام مليشيا الحوثي بالكشف عن مصيره، يعزز من أهمية هذا المسار، خاصة وأن قحطان مشمول بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، الذي ينص صراحة على الإفراج عنه دون قيد أو شرط.

 

وفي هذا الصدد، دعا البرلماني اليمني علي المعمري إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن مصير السياسي المختطف محمد قحطان، باعتبار أن استمرار حالة الغموض وتضارب الروايات حول وضعه لم يعد قابلاً للتعاطي معه عبر المسارات السياسية أو التسريبات الإعلامية، بل يستدعي انتقال الملف إلى مستوى قانوني دولي واضح يضمن كشف الحقيقة بشكل كامل.

 

وأوضح المعمري أن تكرار الحديث عن روايات غير موثقة، سواء تلك التي تشير إلى وفاته أو تلك التي تؤكد بقائه على قيد الحياة، دون تقديم أي أدلة ملموسة أو تحقيق مستقل، يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالقضية، ويؤكد الحاجة الملحة لآلية دولية محايدة تمتلك صلاحيات التحقيق والوصول إلى المعلومات من مصادرها المباشرة.

 

كما شدد على أن استمرار إدراج قضية قحطان في جولات التفاوض دون تحقيق نتائج حقيقية على أرض الواقع، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية، خصوصًا وأنه مشمول بقرار مجلس الأمن رقم 2216 الذي ينص على الإفراج عنه دون قيد أو شرط، مما يجعل من استمرار إخفائه انتهاكاً صريحاً للقرارات الدولية.

 

وأكد المعمري أن تشكيل لجنة تحقيق دولية لم يعد مطلباً سياسياً فحسب، بل ضرورة إنسانية وقانونية تهدف إلى إنهاء معاناة أسرة قحطان، وكشف مصيره بعد أكثر من عقد من الإخفاء القسري، وإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة في قضايا المختطفين والمخفيين قسراً في اليمن.

 

جرح مفتوح على كل الاحتمالات

 

وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على اختطاف قحطان، لا يزال ملفه دون حسم قانوني أو إنساني واضح، في ظل غياب أي دليل موثق يحدد مصيره بشكل نهائي، واستمرار تضارب الروايات بين من يؤكد بقاءه على قيد الحياة وبين من يروّج لاحتمالات وفاته دون مستندات أو تحقيقات مستقلة.

 

ويعكس هذا الوضع استمرار حالة الإخفاء القسري لقحطان من قبل الحوثيين والتي تُعد، وفق المعايير الدولية، جريمة مستمرة لا تسقط بالتقادم، مما يجعل مليشيا الحوثي في موقع المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن مصير قحطان، وعن كل ما ترتب على احتجازه من معاناة إنسانية ممتدة لأسرته وذويه.

 

كما أن الاعتماد على التسريبات أو التصريحات غير الموثقة في التعامل مع ملف بهذه الحساسية لم يُسهم في كشف الحقيقة، بل عمّق حالة الغموض، وأبقى القضية رهينة التجاذبات السياسية دون الوصول إلى نتائج ملموسة، رغم مرورها عبر عدة مسارات تفاوضية برعاية أممية.

 

وفي المقابل، فإن استمرار عجز المجتمع الدولي عن فرض آلية تحقق مستقلة وملزمة، يعزز من حالة الجمود التي تحيط بالملف، ويجعل من الضروري الانتقال إلى مسار أكثر صرامة يقوم على تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، تمتلك صلاحيات الوصول إلى المعلومات، والتحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات بشكل قانوني واضح.

 

وبذلك، يبقى ملف محمد قحطان مفتوحًا على كل الاحتمالات، ليس فقط بوصفه قضية إنسانية، بل كاختبار حقيقي لجدية منظومة العدالة الدولية في التعامل مع جرائم الإخفاء القسري، وقدرتها على فرض الحقيقة فوق حسابات السياسة والتسويات المؤقتة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية