عربي
عنوان الفيلم يوحي بشاعرية، تحضر في تعامل المخرج مع واقع مؤلم، لكنها لا تُخفِّف من أثره أو تُحيِّده عن قسوته، بل تجعل تأثيره أعمق.
حكاية تُطرَق بكثرة هذه الأيام، وسردها يسير على نمط شبه تقليدي، وأحياناً متوقَّع. مع "أزهار شجرة المانغو" (2025)، للياباني أكيو فوجيموتو (يعرض حالياً في فرنسا)، تصبح المتابعة أكثر تفاعلاً ورغبة، مقارنة بأفلام مبنية على أحداث مشابهة، باتت معروفة واقعياً، ومكرّرة سينمائياً.
لعل ذلك عائد إلى أن أبطال الفيلم بعيدون عن مركز الاهتمام العالمي. ورغم ما تورده نشرات الأخبار عمّا يتعرّضون له من اضطهاد في بلدهم، لم تهتمّ السينما بهم كثيراً. من هنا، يستمد الفيلم قوته وطاقته الخاصة، ويضع وجوهاً لقضية، ويُجسِّد معاناة أصحابها، ويتحرّر من المألوف. إنه ليس سياسياً، ولا يفسر قضية أقلية الروهينغا المسلمين في ميانمار (بورما تاريخياً)، الذين اضطُرّوا للّجوء إلى مخيّم ببنغلادش نتيجة التمييز والاضطهاد والعنف، وهرباً مما وصفته التحقيقات الدولية بأنه "تطهير عرقي". لا يثيرها إثارة مباشرة، بل يرصد وقعَها على أفراد، ويخصُّ باهتمامه عائلة بعينها، في محيط لا تقلّ معاناته عما تتعرّض له. باختيار هذا المحور، يبني الفيلم مسافة مع مادته الدرامية.
الفيلم، الفائز بجائزة لجنة التحكيم في "آفاق" الدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا السينمائي، يركّز على طفلين أخوين (هي 9 أعوام، وهو 4). يعلم الجميع مدى حساسية المرء تجاه ما يتعرّض له الأطفال خاصة من عذاب وتهجير وقتل. لكن الفيلم لا يستغلّ هذا. وبعيداً عن أدنى مبالغة عاطفية، تُثير مشاعر مؤقتة وتعاطفاً آنيّاً، يتعامل السرد مع الطفلين باحترافية ومسافة مدروسة. يتابعهما من مخيّم بائس ببنغلادش، إلى شارع مكتظّ بناطحات السحاب بماليزيا، حيث يُفترض بهما الالتحاق بخالهما. الصغير يفتتح الفيلم وهو يلعب الاستغماية مع أخته، مختبئاً تحت كيس قماشي؛ ويختمه محتمياً بمنشفة تحت شجرة عملاقة للمانغو. بين المشهدين، رحلة يقطعها مهاجرون غير شرعيين. رحلة كلّ لاجئ، مكتملة العناصر في مشهديتها بما تنطوي عليه من أخطار: ملاحقة، قتل بالرصاص، تشتّت، افتراق الأسرة، ضياع، استغلال، إهانات، مرض.
كلّ ما يمكن توقعه. لكن الفيلم الثالث لفوجيموتو، الذي يعتمد أنواعاً سينمائية عدة، مازجاً بسلاسة بين الوثائقي والروائي والمغامرة والشاعرية، يتابع ترحال أبطاله من بنغلادش إلى ماليزيا مروراً بجنوبي تايلاند، بحساسية عالية. يرصد عن قرب لحظات مسيرة شاقة مُهلكة، عبر كاميرا محمولة (يوشيو كيتاغاوا) تلتقط تفاصيل الوجوه والأمكنة المتنوعة، وتهتزّ مع اهتزاز القارب في المحيط، وتعتم صورها بين أحراش الغابات الكثيفة، التي يقطعها الهاربون من ملاحقة العصابات ورجال الأمن. الطفلان (الأخّان محمد وسُميّرة رياس الدين) لا يفترقان، من لحظة المغادرة مع خالتهما أمام سياج المخيم. ترعى الصغيرةُ أخاها كأمّ، بشعور عفويّ بالمسؤولية. وفي لهوهما من وقت إلى آخر، حتى في أشدّ الظروف حلكة، وفي هربهما وحيدَين لاحقاً، يبدي الفيلم بعمق إنساني ردّات فعل عالم الصغار أمام الأخطار، بين إدراك مبهم بهلاك مقبل، أو إحساس بلامبالاة تجاه ظروف شاقة.
في هذا العالم المتوحّش الذي يواجهانه، يقدّم الاثنان أداءً مذهلاً بتلقائيته وصدقه. بينما لا يستغلّ فوجيموتو طفولة الشخصيتَين لانتزاع العواطف، ويبتعد بوعي واضح عن تهويل وإثارة، تاركاً إياهما بإدارته الحكيمة من دون أن يُشعر بها مشاهده. وعبر سعيه إلى جعل الصغيرين محطّ اهتمام نصّه السينمائي (السيناريو له أيضاً)، وتناول قضية إنسانية عبر نظرتهما، خدم فوجيموتو غرضاً سردياً باعتبار أن الجمهور كبطليه لا يعرف الكثير عن أزمة الروهينغا (مقارنة بقضية فلسطين مثلاً)، وستسمح له هذه النظرة المشتركة باكتشاف قضية، من دون الحاجة إلى معرفة متعمّقة.
فوجيموتو (عاش وعمل في ميانمار لسنوات) تفادى الأسلوب التقريري الذي دأبت عليه أفلام اللجوء، فقدّم فيلماً رقيقاً رغم قسوة المضمون، وشاعرياً رغم واقعية الأحداث. عبّر، بحوار متقشّف وبساطة إخراجية، عن مشاعر ترك بلد الأصل، وعن الانتماء إليه، وترك للمهاجرين التعبير عن علاقتهم ببلدهم الأمّ، في مشهدَين، إما بأغنية تجسّد الحب والفقدان، أو بإثارتهم مشاعر قوية تسكنهم، وإجبارهم على المغادرة. استعان بموسيقى تصويرية تثير أجواء توتر، لكنّه في معظم المشاهد ترك للطبيعة أن تعرب عن صوتها: غضبها، كما في العاصفة البحرية الشديدة أثناء رحلة المركب، أو رقّتها، مع زقزقة العصافير وصوت حفيف الشجر، أو غموضها وخطرها، كما حين يجتاز اللاجئون المحيط بمركب قديم، أو الغابات الكثيفة مشياً. وإذا قَسَت الطبيعة أحياناً عليهم، تتفوّق قسوة البشر عليها، ولا سيما العصابات في تايلندا، التي تترصد القوافل بحثاً عن المال، وحرس الحدود يطلقون الرصاص عشوائياً. لكن إرادة الحياة، التي يركّز عليها الفيلم، وهؤلاء الذين يقودهم مركب مُعرّض للغرق في كل لحظة، تثير مشاعر تضامن وخشية، لعلّ وجود الكاميرا بينهم خفّف من حدوث مشاكل إضافية.
هكذا أثار فوجيموتو تعاطفاً مع أبطاله في حكاية خاصة، لكنّها حكاية ملايين اللاجئين في البقاع المنكوبة.
أثارت دوافع فوجيموتو إلى صنع فيلم عن الروهينغا أسئلة الفن السينمائي والوازع الأخلاقي مُجدّداً، هو الذي عمل 12 عاماً مخرجاً في بورما، وسمع، كما يقول في حوار ترويجي، مراراً عن الاضطهاد الذي يُعانيه شعب الروهينغا، وصُدم بوجود وحشية كهذه في عالمنا. مع ذلك، حالت المحظورات الاجتماعية دون ذكرهم، والتزم الصمت، خشية أن يُفقده التحدث عنهم فرصاً مهنية، إلى أن "أصبح هذا الصمت جرحاً شخصياً، ونوعاً من فشل أخلاقي عليّ مواجهته. من هذا التأمل، وُلد الفيلم".
