عربي
لم تتوقف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عند حدود الميدان، بل سرعان ما تحوّلت إلى معركة على معنى ما حدث: هل كان نصراً لأميركا وإسرائيل، أم لإيران؟ في عالم الميديا المعاصرة، قد يبدو الجواب متروكاً لكل وسيلة إعلام لانتقاء معايير النصر والخسارة لتسمي المنتصر أو الخاسر، ولكن في منطق الدعاية الحديثة والإعلام العميق، قد تبدو تلك المعايير أعقد.
اطّلعت "العربي الجديد" على وثائق من الأرشيف الوطني البريطاني، تكشف أن الصراع على معنى الحرب ونتيجتها ليس جديداً، وأن إدارة الأخبار والرقابة والدعاية كانت جزءاً من بنية الدولة نفسها. فبحسب دليل الدعاية المنشور على موقع الأرشيف الوطني البريطاني، توزّعت أعمال الأخبار والرقابة والدعاية خلال الحرب العالمية الأولى بين جهات حكومية عدة، قبل أن تُدمج في إدارة للمعلومات عام 1917، ثمّ في وزارة الإعلام عام 1918.
وتُظهر السلسلة الأرشيفية INF 4، المعنونة "وزارة الإعلام والجهات التي سبقتها: خدمات المعلومات الخاصة بحرب 1914 إلى 1918"، أن جانباً من هذه الأوراق جُمِع ضمن مسح ساهم لاحقاً في إنشاء وزارة الإعلام، فيما يمكن تتبع مناقشات تقنيات الدعاية وأمثلة على عمل إم آي 7 في الملفين INF 4/4B وINF 4/1B.
هذه المواد لا تعني أن الصحافة كانت بوقاً حكومياً دائماً، لكنّها تكشف أن إنتاج الرواية الحربية كان نشاطاً منظماً. ومن هنا تأتي قيمة الأرشيف؛ فإلى جانب حفظه سجلّات تاريخية، إنه يكشف الفارق بين ما كان يُقال علناً، وما كانت التقديرات الرسمية تسجله في الداخل.
تزوّدنا الوثائق بمعلومات كثيرة، لكنها أيضاً تكشف المسافة بين ما كان يُقال علناً، وما كانت التقديرات الرسمية تسجّله في الداخل بلغة أوضح وأبرد. وفي وثيقة بريطانية أخرى من ملف الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982)، ورد أن "الكلفة المالية والبشرية على إسرائيل كانت كبيرة، لكن العملية حقّقت أهدافها إلى حدٍّ بعيد"، في صياغة تكشف أن حتى القراءة الرسمية تعاملت مع الحرب بوصفها نصراً صافياً أو حسماً كاملاً، والأهم أنّها محصّلة مركبة من إنجاز وكلفة ومعنى ظل موضع نزاع.
بذلك، تكشف هذه الوثائق مرة أخرى عن الفارق بين ما كان يُروَّج له علناً وما كانت التقديرات الرسمية تسجله في الداخل. الصحافة ليست كتلة واحدة... والدعاية ليست كذبة واحدة. هذا لا يعني، مع ذلك، أن الصحافة كانت دائماً كتلة مطيعة بالكامل. فبحسب ما ورد في مادة الصحافة والإعلام في بريطانيا وإيرلندا المنشورة في الموسوعة الدولية للحرب العالمية الأولى والمحدّثة في الثامن أكتوبر/ تشرين الأول 2014، فإن الدعاية الحربية في بريطانيا لم تقم فقط على الرقابة أو قصص الفظائع، بل أيضاً على توجيه معنى الحرب داخل مشهد صحافي متنوع. تذكر المادة أن لندن ضمّت 14 صحيفة يومية كبرى عام 1914، من بينها "ذا تايمز" و"ديلي ميل" و"ديلي إكسبرس" و"ديلي ميرور".
كما تشير إلى أن ضبط النشر بدأ قبل الحرب، مع اجتماع الأميرالية ووزارة الحرب ولجنة الصحافة في 27 يوليو/تموز من عام 1914، ثم إنشاء مكتب الصحافة في 6 أغسطس/آب 1914، وبدء إصدار إشعارات D، وهي تنبيهات كانت تُرسل إلى الصحف لتحديد المعلومات أو الموضوعات التي ينبغي حجبها أو تأجيل نشرها لأسباب عسكرية وأمنية، منذ أواخر أغسطس.
ومع ذلك، لم يختفِ تماماً هامش النقد أو التعدد؛ والأهم أن المادة تخلص إلى أن الدعاية لم تكن دائماً اختلاق "نصر" جاهز، بل كثيراً ما كانت بناءً تدريجياً لإحساس عام بضرورة الاستمرار والواجب وإمكان الغلبة.
من يربح المعنى في زمن المنصات؟ أثر هذه السرديات لا يتوقف عند الإعلام نفسه، بل يمتد إلى المتلقي الذي يجد نفسه أمام روايات متنافسة عن "منتصر" مختلف في كل مرة.
وفي بيئة إعلامية أكثر تفتّتاً، كما أشار معهد رويترز لدراسة الصحافة في 17 يونيو/حزيران 2025، لا تصل الحرب إلى الجمهور بوصفها حدثاً واحداً بقراءة مستقرة، بل تصل سلسلة رواياتٍ متزاحمة تتوزّع بين الشاشات والمنصات. وهذا ما ينسجم أيضاً مع ما وصفته "بي بي سي مونيتورينغ" بـ"الضجيج والسردية" المحيطَين بالحرب.
هنا لا يعود السؤال فقط: من انتصر فعلاً؟ بل: من نجح في فرض تعريفه الخاص لمعنى الانتصار؟ فحين تركز التغطية على "الغلبة" أكثر من حدود الوقائع المثبتة، قد تدفع الجمهور أحياناً إلى ملء الفراغات بتصورات أوسع من المعطيات المتاحة أو إلى المبالغة في تقدير القوة الفعلية لهذا الطرف أو ذاك.
في الحروب الحديثة، لا يكفي أن تضرب، يجب أيضاً أن تُقنع بأنك انتصرت. هنا لا يعود الإعلام مرآة للمعركة، بل ساحة ثانية لها. والأرشيف البريطاني، بما يكشفه عن إدارة الأخبار والدعاية وصناعة السرديات، يذكّر بأن هذا الصراع أقدم من شاشاتها ومنصات اليوم بكثير. لذلك، قد لا يكون السؤال الحاسم: من انتصر فعلاً؟ بل: من نجح في جعل العالم يقرأ الحرب كما يريد هو؟
