عربي
يشكّل حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية في سورية نقطة تحوّل إيجابية على طريق بناء دولة مؤسسات في سورية، ما لم تُستحدث هيئات أو جهات أخرى لمصلحة الفضاءين الداخلين بالشأن السياسي والمدني في سورية، وتُترك إدارة شؤونهما من خلال السلطة التشريعية التي تنظّم عملهما، والوزارات التنفيذية التي تقوم بتسيير شؤونهما وإدارتها من دون جهات تدخّلية تُقيّد الحراك السياسي الداخلي، وتتحكّم بالعمل المدني والنقابي. وكانت أمانة الشؤون السياسية المتحكّم الوحيد بكل هذه الفضاءات، وحُصر فيها موضوع الموافقات على أي تجمّع سياسي في ظل حل كل الأحزاب وغياب قانون ينظم تشكيل أحزاب في البلاد. كما أعادت هذه الأمانة تشكيل كل النقابات المهنية، وعيّنت على رأسها أشخاصاً محسوبين على السلطة، كما تدخّلت حتى في عمل المنظمات الإنسانية، وفي عمل بعض الوزارات من خلال ممثلين عنها، فكانت الرقيب والمتحكّم الذي يوجه عمل جهات يفترض أن تكون مستقلة تقوم بدور الرقيب على العمل الحكومي.
بغضّ النظر عن الأسباب التي دعت لحل الأمانة العامة للشؤون السياسية التي شُكّلت بقرار مخالف للدستور، والتي ربّما تعود لتجاوز الحكومة العديد من التحديات، خصوصاً الأمنية وتلك التي تتعلّق بتوحيد الجغرافيا السورية، إلّا أن حلها في هذا التوقيت الذي ينتظر فيه السوريون انعقاد مجلس الشعب، كما ينتظرون تعديلات حكومية على مستوى الوزارات، وعلى مستوى المحافظين، يشكّل فرصةً كبيرةً لنشوء حراك سياسي ومدني صحي ومنظّم. وجود أمانة الشؤون السياسية كان يعيق أي تقدّم على هذين المستويين، أما حلها فيفسح المجال لإصدار قوانين عصرية، منها قانون خاص بتشكيل الأحزاب، والسماح بالحريات السياسية واقتصار دور الدولة فيها على التنظيم لا التدخّل، بالإضافة إلى قوانين خاصة بتشكيل منظمات المجتمع المدني والجمعيات وقانون خاص بالنقابات وقانون خاص بالإعلام وغيرها من القوانين التي تنظم الفضاءين المدني والسياسي في البلاد. بالتالي توجد فرصة للنقابات ومنظمات المجتمع المدني لأن تعيد تنظيم نفسها بشكل صحيح من خلال انتخابات ديمقراطية لقياداتها، ومن خلال أخذ دورها الطبيعي في الدفاع عن حقوق منتسبيها وفي تطوير أدائهم والدفاع عنهم حتى في وجه القرارات الحكومية التي تكون غير منصفة.
