عربي
لم تكن الثورة السورية مجرد حلمٍ بالحرية، بل بالأحرى "زلزلةً" في الوعي، دفع السوريون ثمنها من أرواحهم، بيوتهم، ويقينهم المستقر. على عكس تونس أو مصر، كان لدى النظام السوري بنية أمنية أكثر توغلاً في حياة المواطن، فمنذ ثمانينيّات القرن الماضي (أحداث حماة)، رسخ في الوعي أن ثمن الاعتراض هو "الإبادة". هذا الخوف التاريخي جعل السوريين يراقبون سقوط بن علي ومبارك بحذر شديد، متسائلين: "هل تجرؤ دمشق على فعلها؟".
في روايته "كأنّ الريح تحتي" (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2026) يرصد الكاتب والصحافي السوري محمد أمين الثمن الباهظ للحرية من خلال توثيق الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سورية قبل نحو ثلاثة أعوام، باعتباره "رصاصة الرحمة" التي أُطلقت على ما تبقى من أوهام الاستقرار لدى جيلٍ طحنته الخيبات.
العمى
يبدأ محمد أمين روايته بمخاتلة ذهنية؛ فالعنوان يستدعي حضور المتنبي، رب السيف والقلم، في بيته الشهير: "على قلقٍ كأنّ الريح تحتي". لكن شتان بين "قلق" المتنبي وقلق أبطال هذه الرواية؛ فبينما كان القلق عند الأول دافعاً للترحال، وفروسيةً تمتطي صهوة الريح لتطوي المسافات نحو المجد، ينحرف أمين بالمعنى نحو "قلق العدم".
يختزل العنوان حالة "التيه" التي يعيشها السوري المعاصر؛ فبعد سنوات من الحرب التي خلخلت الانتماء، جاء الزلزال ليكون "الضربة القاضية" لكلا الطرفين المضيف والمستضيف، اللاجئ وصاحب الدار، ليصبح الجميع على "ريح" تتقاذفهم يمنة ويسرة في تعبير صارخ عن ضياع "المركز"؛ فلا الأرض قادرة على حملهم بعد أن زلزلتها الحروب والطبيعة، ولا الأفق يمنحهم جهةً للخلاص.
هيمن الأسلوب الصحافي على لغة السرد وطريقة تقديم الشخوص
يستهل الكاتب نصّه بإهداء يشبه "البيان التأسيسي": "إلى أرواح ضحايا الزلزال الذي ضرب جنوبي تركيا وشمالي سورية فجر السادس من فبراير/ شباط 2023. لقد حطَّم مبانيَ، وخطف أرواحاً، وزحزح قناعات".
يضعنا هذا الإهداء أمام سؤال مرعب: ماذا يفعل الإنسان حين يكتشف أنّ الأرض والقناعات التي يحتمي بها أصبحت هباءً في مهب الريح؟ لا يقدم الكاتب شخصيات روائية بالمعنى التقليدي، بقدر ما يقدم "نماذج إنسانية محطمة" تلتقي عند تقاطع الفقد. يحكي العمل قصة محمود الغريب وندى الشوّا وسط جوقة مؤلمة من اللاجئين السوريين، ممن تخلّوا عن أحلامهم أو غُيّبوا قسراً، بصرف النظر عمّا تفعله النكبات الكبرى من زلزلة للحواس وتعطيل للإرادة. ألم يكشف ساراماغو في روايته الصادمة "العمى" عن طينة البشر في اللحظات الفارقة؟ هكذا يحاول أمين استنطاق جوهر الإنسان السوري في تلك "الحلكة" الوجودية.
قبعة الصحافة
لا يغفل القارئ تلك البصمة المهنية الواضحة التي طبع بها محمد أمين عمله الأول؛ إذ هيمن الأسلوب الصحافي على لغة السرد وطريقة تقديم الشخوص. فبدلاً من أن تولد الشخصيات من رحم الأحداث أو تنمو عبر الحوارات المواربة، نجد الكاتب يقدم شخصياته عبر "بروفايلات خبرية" مركزة، تسرد تفاصيل أعمارهم، خلفياتهم الطبقية، ومساراتهم المهنية بنبرة تقريرية مباشرة تشبه إلى حد بعيد التقارير.
هذا النَفَس الصحافي، وإن منح الرواية صبغة "الواقعية الخام" وجعل من أبطالها "شهود عيان"، إلّا أنه وضع القارئ أمام تساؤل مشروع: هل نجحت هذه المباشرة في تعميق مأساة "الزلزلة" باعتبارها حدثاً واقعياً لا يحتمل التأويل؟ أم أنها قيدت الفضاء الأدبي للرواية وحولتها إلى وثيقة اجتماعية بامتياز؟ إن استخدام "الاقتباسات المرجعية" واللغة الواضحة البعيدة عن المجاز، يعكس رغبة الكاتب في أن يكون النص صوتاً نقدياً صارخاً للواقع السوري، مفضلاً "أمانة التوثيق" على "غواية التخييل"، وهو خيار قد يراه البعض انحيازاً للحقيقة، ويراه آخرون انسلاخاً عن الرواية بصفتها فناً مُغتوياً بالخيال.
موسم الحصاد المر
ولعل تقديم الكاتب لمحمود الغريب من خلال علاقته بالزمن (شهر فبراير/ شباط) من أكثر المواضع دلالة. فلم يكن هذا الشهر في يوميات الغريب مجرد شهرٍ ناقصِ الأيام، بل كان "ثقباً أسود" في رزنامة عمره، يبتلع كل ما هو جميل تاركاً الندوب. في هذا الشهر القصير، الذي يراه محمود "طويلاً بوجعه"، دُفنت أمه ودُفن معها دفء البيت، وفيه أيضاً ذاق مرارة "تشريح الروح" في أقبية الزنازين الرطبة عام 2012، ليخرج منها غريباً يطارد شتاته خلف الحدود.
لقد تحول شباط في وجدانه إلى "تميمة نحس" سنوية؛ فكلما هلّ، استيقظت في روحه ذكريات الموت والاعتقال والمنفى، وكأن القدر اختار أضيق ممر زمني في السنة ليحشر فيه أثقل الفواجع. ويبدو، أنه، كما يقول المثل، من يخاف من العفريت يطلع له، فمع صبيحة الخامس من نفس الشهر سنة 2023، صدق ظنه، إذ تزلزلت الأرض "زلزلة" لم تكتفِ بهدم الجدران، بل اقتلعت ما تبقى من مقاومة، لتؤكّد أن شباط هو "موسم الحصاد المر" الذي لا يأتي إلّا لينتزع منه أغلى ما يملك.
فضّل الكاتب "أمانة التوثيق" في السرد على "غواية التخييل"
يركز العمل على أن الكارثة الكبرى ليست في فقدان الممتلكات، بل في "فقدان الجدوى". عندما تهتزّ الأرض، يسقط معها الإيمان بالاستقرار، ويتحول الإنسان إلى كائن "آنوي" يعيش اللحظة بخوف مفرط. هكذا ينتقل الأبطال من فاعلين في حياتهم إلى "مفعول بهم"، ليقتصر دورهم في الحياة على صد الهجوم. فالعلاقة بين محمود وندى في الرواية هي علاقة "التقاء الهشاشات". لا يجتمعان لبناء مستقبل بقدر ما يجتمعان لتقاسم العبء إنه "الحب في زمن الركام"؛ خجول، منكسر، يخشى من توابع الزلزال.
ربما لهذا لم يمنح أمين أبطاله "فعل التغيير"؛ بل جعلهم "شهوداً على الزوال". يتحركون بدافع الغريزة أحياناً، وبدافع الألم أحياناً أخرى، ما يعزّز فكرة العنوان الأصلية: إنهم "على بساط الريح"، لا يملكون من أمر وجهتهم شيئاً. وهو ما يعزّز تقنيات الاسترجاع (الفلاش باك) والتدفق الذهني. ليعكس حالة الأبطال النفسية؛ فالإنسان الواقع تحت الصدمة يعيش زمناً "متشظياً" تتداخل فيه لحظة سقوط السقف مع لحظات بعيدة من الذاكرة قبل الحرب، كما جاءت الحوارات بين محمود وندى مقتضبة، تعكس حالة العجز عن التعبير أمام هول الكارثة.
* كاتبة مصرية
