عربي
تتزايد الإصابات بداء الليشمانيا في سورية وسط ظروف بيئية وصحية متدهورة، الأمر الذي يعيد تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها القطاع الصحي في البلاد، في حين تُبذَل جهود للحدّ من انتشار هذا المرض الطفيلي بنوعه الجلدي في سورية، مع العلم أنّه يُعرَف محلياً باسم "حبّة حلب" وتنقله أنثى ذبابة الرمل حاملة العدوى.
وأطلقت محافظة حلب شمالي سورية "برنامجاً وقائياً متكاملاً" لمكافحة الليشمانيا من المدينة، بعد تسجيل مستويات مرتفعة من الإصابات في السنوات الماضية، ولا سيّما أنّها تُعَدّ تاريخياً من أكثر المناطق تأثّراً به إذ سُجّلت فيها نسبة الإصابات الأعلى في سورية بنحو 52%. في هذا الإطار، أوضح محافظ حلب عزام الغريب، في منشور على صفحته الخاصة على موقع فيسبوك، أنّ البرنامج يقوم على حملات مكثّفة لمكافحة الحشرات الناقلة بواسطة الرشّ، بالإضافة إلى عمليات تعقيم وتنظيف واسعة النطاق، وتأهيل للمناطق المتضرّرة وتعزيز للنظافة العامة، مع تعهّد المحافظة على تأمين كلّ الأدوية والمستلزمات اللازمة إلى جانب زيادة المتطوّعين وتشديد الرقابة الميدانية لضمان فعالية قصوى للجهود.
ويرتبط انتشار داء الليشمانيا بطريقة وثيقة بالظروف البيئية، إذ تنتقل العدوى عبر لدغات ذبابة الرمل التي تجد في الأنقاض والمياه الراكدة بيئة مثالية للتكاثر. ومع عودة آلاف النازحين إلى مناطق مدمّرة تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، سُجّلت موجة جديدة من الإصابات.
في هذا السياق، يقول الطبيب المتخصّص في الأمراض الجلدية محمد خضرة، في ريف اللاذقية الشمالي، شمال غربي سورية، لـ"العربي الجديد": "نشهد زيادة واضحة في الإصابات، خصوصاً في المناطق التي دُمّرت خلال الحرب". يضيف أنّ "المشكلة لا تقتصر على العدوى فحسب، بل تمتدّ إلى تأخّر التشخيص وصعوبة الوصول إلى العلاج في عدد من المناطق"، مشيراً إلى أنّ "ثمّة إصابات تتطلّب عشرات الحقن لعلاجها الذي قد يستمرّ لفترات طويلة، خصوصاً في حال تعدّد الأعراض أو ضعف الاستجابة".
في ريف إدلب، شمال غربي سورية، يروي المواطن خالد الخطيب معاناته مع داء الليشمانيا بعدما تلقّى أكثر من 60 حقنة علاجية منذ إصابته به قبل نحو شهر، عقب زيارة لبلدته المدمّرة في معرّة حرمة بمحافظة إدلب. ويقول الخطيب لـ"العربي الجديد" إنّ انتشار الحشرات في المنطقة "كان لافتاً"، الأمر الذي أدّى إلى تسجيل إصابات عديدة بين الأهالي.
بدوره، يتحدّث المواطن أحمد شموط عن إصابته بالليشمانيا بعد عودته إلى بلدته الحفة في ريف اللاذقية من أجل تفقّد منزله، موضحاً أنّ الأعراض لم تظهر إلا بعد أسابيع عدّة. ويشرح لـ"العربي الجديد" أنّ الأمر بدأ مع بثور صغيرة قبل أن تتحوّل إلى تقرّحات مؤلمة مع حكّة شديدة؛ وقد تدهورت حالته تدريجياً.
ووفقاً لبيانات وزارة الصحة السورية، سُجّلت أكثر من 60 ألف إصابة بداء الليشمانيا في عام 2025، وذلك بزيادة بنسبة 20% تقريباً مقارنة بما سُجّل في عام 2024. كذلك شهدت الأشهر الأولى من عام 2026 ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات بعدد من المناطق، وصلت نسبته إلى 200%، خصوصاً في جنوب إدلب (شمال) وشمال حماة (وسط) وأرياف حلب ودير الزور والرقة والحسكة (شمال).
وعزا مدير الأمراض السارية وغير السارية لدى وزارة الصحة السورية ياسر فروح الارتفاع المسجّل، في تصريحات أدلى بها للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) أخيراً، إلى "عودة السكان إلى مناطق مدمّرة تفتقر إلى خدمات المياه والصرف الصحي"، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في انتشار الحشرات الناقلة للمرض.
وتعمل الوزارة على حملة وطنية لمكافحة الليشمانيا على مستوى سورية ككلّ، تشمل إجراءات وقائية وعلاجية، بالتعاون مع وزارات ومنظمات محلية ودولية. وتتضمّن الحملة رشّ مبيدات حشرية، وتوزيع ناموسيات مشبّعة بالمبيدات، بالإضافة إلى إزالة الأنقاض ومعالجة المياه الراكدة. كذلك يجري العمل على تعزيز برامج الكشف المبكّر والتوعية المجتمعية، إلى جانب تأمين العلاج في المراكز الصحية، وسط تأكيدات رسمية بتوفّر الأدوية على الرغم من الضغط المتزايد.
وعلى الرغم من الجهود التي تُبذَل لمكافحة الليشمانيا، ما زالت تحديات كبيرة تعيق السيطرة على هذا المرض، لعلّ أبرزها ضعف البنية التحتية ونقص الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، بالإضافة إلى محدودية الوعي الصحي لدى السكان. ويحذّر خبراء من أنّ استمرار هذه العوامل قد يؤدّي إلى تفاقم الوضع، خصوصاً مع اقتراب فصل الصيف الذي يشهد في العادة نشاطاً أكبر للحشرات الناقلة.
