عربي
كلّما ظن أنه وصل إلى العدالة، سرق منه التاريخ هويته، إذ يعيش بأوراق أخيه الميت هارباً من تهمة الجنون، وتلاحقه سيرة أسير جزائري مهمّش ضاعت حرّيته قبل مئات الأعوام. في رواية "الأسير" (المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 2025) للكاتب الجزائري محمد دحو، يحاول البطل القول إنه من حق المبدع والفنان ألا يُذعِن للظلم الذي يكتسب حضوره في حياتنا عبر سطوة التاريخ.
البحث في أوراق الزواوي
لا يمضي البشر حياتهم اليومية في تذكّر حياة أشخاص عاشوا قبل خمسمئة عامٍ مثلاً، ولهذا، لا أحد يذكر اليوم علي بن يحيى الزواوي، الورّاق والخطاط الذي يمضي بقية حياته أسيراً لدى فرسان مالطا في القرن السابع عشر، لكن يوسف بو ذراع؛ الشاب الجزائري الفنان الحالم الذي يعيش في زمننا المعاصر، يحمل بطريقةٍ ما الأفكار المجهولة للأسير الذي يحلم دائماً بطيور منقّطة بالأبيض والأسود، تأتي لتحمله إلى مكان ما بعيداً عن إرادته المسلوبة، التي تتمثل في إجباره على كتابة نصوص محددة بالعربية من دون أن يكون له يد في تقرير ما يكتب أو لماذا يكتب.
هذه المعضلة التي ظلّ الزواوي أسيرها إلى أن مات، تنعكس بقوة في حياة يوسف، الذي لا توجد قضبان تحد من حريته، ولا يحيط به أحد يجبره على كتابة نصوص أو رسم لوحات تخدم فكرة معينة، لكنه يعاني الأَسرَ بمعناه الأوسع، الذي تجسده الرواية من خلال أحداث كبرى تفرض نفسها في حياته، منها العشرية السوداء في وطنه الجزائر، ومنها النظرة الاستعلائية الثقافية في أوروبا، التي تعيد تعريف الفن والإبداع والثقافة انطلاقاً من حضارتها بوصفها صانعة أمجاد.
هذه الأمجاد بالذات، هي التي تجعل يوسف يقف حائراً بشأن حياته وذاته والمعنى الذي يحيا لأجله، فالواقع من حوله يدفعه إلى الجنون، إذ يشاهد القمع يتكرر ضمن حياته اليومية، قمع للفنان، وآخر للإنسان وطموحاته في مجالات متنوعة، إضافة إلى العنف الذي تجسده النزاعات والحروب، كما يحدث في حرب غزة التي يراها بعيني حبيبته اليهودية الأندلسية "جوليا"، التي تكتشف معه يوماً تلو آخر، أن القتلة يحتمون دائماً خلف تاريخ مزوّر ينادي ببطولات وانتصارات حققت السلام وغيرت العالم.
يعيش يوسف متماهياً مع الزواوي في مالطا وإسبانيا والجزائر، إذ تضم الأمكنة الكثير من المعالم التاريخية والحكايات التي تسهم في دفعه نحو التمرد على حاضره بدلاً من أن تلهمه بوصفه فناناً، لأنه يكتشف من خلال تجربته، أن الإنسان لا يمكن أن يكون فناناً أو كاتباً أو شاعراً، إلا إذا تمكن من فهم الحصار الذي يفرضه التاريخ على أفكاره.
المثقف في سجن المعنى
ربما تجاوز محمد دحو في روايته الحبكة المتينة للروايات التقليدية، التي تعتمد تطور الشخصيات وتشابكها وتشكيل تغيراتها النفسية والمعرفية وتجاربها، لتصل إلى رؤية متكاملة يريدها الكاتب ويكتشفها القارئ، لكن اعتماد دحو على صوت يوسف وحده، ليكون صوتاً لكل الأسرى والمضطهدين، لا يبرر نمو بقية الشخصيات وظهورها في الأحداث بصورة مستقلة، كان يمكن له تعزيز هذه الرؤية بشكل أعمق وأكثر متانة ومتعة للقارئ، فالمضطهدون الذين يعانون في مجتمعاتهم أو منافيهم، بوصفهم يعيشون واقعاً يسلبهم إرادتهم ويصادر خيالهم، يحتاجون ربما إلى تنوع في الشخصيات للتعبير عن هدف الكاتب، المتمثل في أن الأدب يجسد هموم هؤلاء، وينقل قصصهم من الماضي والتاريخ إلى الحاضر.
يربط بين مفهوم الأسر المادي والاعتقال المعنوي للمثقف
ربما يبدو للوهلة الأولى أن حياة بطل الرواية كما يصورها محمد دحو، تشكل مجموعة من الهموم المبالغ فيها، ويظهر هذا في صوت يوسف الذي يكاد يكون الشخصية الوحيدة ضمن معظم الأحداث، إذ يسرد التفاصيل باسمه وباسم يحيى وجوليا وغيرهم من شخصيات، مستخدماً جُملاً شعرية قصيرة قوية. لكن هذا الأسلوب السردي لا يقود إلى المبالغة، بل يشير بوضوح إلى حاجة البطل إلى المواجهة، ليس بهدف تحقيق أي انتصار، فمشكلته عميقة، تظهر في التناوب الزمني بين حياة الزواوي وحياته، بحثاً عن شيء أبعد من استعادة التاريخ، وهو فهم آليات القهر التي تتكرر بصور مختلفة عبر العصور.
خلال حواراته مع جوليا، يبدأ يوسف بقراءة الواقع الثقافي والسياسي الذي يشكل روح العصر، فهناك مقولات مكرسة مثلاً، تحمي الصهيونية التي سبَّبت الكثير من المآسي المعاصرة للفلسطينيين، وهي مقولات ترى أن المظلومية اليهودية الحالية كما يقدمها دُعاتُها، تتيح إعادة كتابة التاريخ وتصحيحه، من خلال ارتكاب الفظائع بحق الآخرين.
ينتبه يوسف أيضاً إلى أن حريته بوصفه فناناً ليست كبيرة كما كان يتخيل، فهناك مؤسسات فاسدة ترعى الفن من أجل الربح والفن من أجل تحقيق أهداف سياسية أو نشر آراء معينة، وجميعها تستند بشكل من الأشكال إلى تاريخ ثقافي يرتبط بأحداث سياسية كبرى جعلت مؤسسات عدة وطوائف مختلفة ترسخ نفسها في عالم اليوم وفق الصورة التي تظهر بها الآن، ويتجلى هذا حين يكتشف يوسف أن الفجوة بين ذاته فناناً وحياته إنساناً هي فجوة صنعها تاريخ يستحوذ عليه الآخرون.
ولأنه اختار مواجهة الوقائع التي يدعمها التاريخ من أجل البحث عن العدالة، تزداد معاناته يوماً تلو آخر، فهو يواجه التشرد، والاعتقال والنقل إلى مستشفى الأمراض العقلية، وخسارة الحب والفن، مما يحيل على أن الأفكار السياسية في الرواية توجه نقداً حاداً إلى المؤسسة القمعية، سواء كانت دينية أم بيروقراطية معاصرة، إذ يربط محمد دحو بين مفهوم الأسر بمعناه المادي التاريخي وبين الاعتقال المعنوي للمثقف في العصر الحديث، خصوصاً حين يركز من خلال حكاية الزواوي على مالطا مكاناً يعيد إلى الأذهان تاريخ القرصنة والحروب البحرية بين الأسطول العثماني والقوى الأوروبية، فمالطا هي "سوق للعبيد" ومركز لنوع من التسلط الثقافي والديني الذي استهدف الأسرى المسلمين.
الحكاية ليست ملكاً للتاريخ
تزخر الرواية بالأحداث التاريخية التي حصلت في الجزائر زمن العشرية السوداء، وغيرها حصلت في الماضي زمن الزواوي، وأخرى تحدث خلال حياة يوسف، الذي تنتهي حكايته حين يحاول بيع كل شيء يملكه، حتى ملابسه، للحصول على لوحة ثمينة كانت معروضة في مزاد، وتشكل عنده صورة متكاملة في عالم مليء بالشظايا الناتجة عن فقدان المعنى وغياب العدالة وانتشار أنواع متطورة من القمع المعنوي، لكن اللوحة تختفي في النهاية وتدفن من دون أثر بعد إلغاء المزاد.
* كاتب ومترجم من الأردن
