العراق: تخوّف من حالات الإنفلونزا خارج موسمها
عربي
منذ يوم
مشاركة
يثير استمرار حالات الإنفلونزا الموسمية في العراق رغم انتهاء فصل الشتاء، قلقاً بالغاً في صفوف الأهالي، خصوصاً مع اكتظاظ المستشفيات والتهافت على شراء الأدوية والمعقمات والكمامات. لم يكن انحسار فصل الشتاء في العراق هذا العام كافياً لتراجع حالات الأمراض الموسمية، إذ ما زالت نزلات البرد والإنفلونزا بمختلف سلالاتها ومتحوراتها، تحجز مكاناً متقدماً في قائمة الأمراض الأكثر انتشاراً، وسط مؤشرات إلى ارتفاع الإصابات، خصوصاً بين الأطفال. وفي وقتٍ كان يُفترض فيه أن تبدأ المنظومة الصحية بالتقاط أنفاسها، عادت المستشفيات في العراق لتشهد ضغطاً متزايداً، وازدحاماً داخل ردهات الطوارئ وعيادات الأطفال مع استمرار الإصابات، وتكرّر الشكاوى من ارتفاع درجة حرارة الجسم، والاحتقان الحادّ، والشعور بالإرهاق العام. وفي 21 إبريل/ نيسان 2026، نبّهت وزارة الصحة العراقية عبر حسابها الرسمي على "إكس" إلى أنّ الزكام والإنفلونزا أمراضٌ فيروسية لا تُعالج بالمضاد الحيوي، وأنّ تناوله من دون استشارة طبيب يسبّب ضرراً أكثر من فائدته. وفي 28 إبريل، ناشدت أي شخص يعاني من حمى مفاجئة مع نزف أو كدمات بدون سبب مراجعة أقرب مستشفى فوراً. وبينما يربط بعض العراقيين هذه العوارض بتقلّبات الطقس، يرى آخرون أن ما يحدث يتجاوز مجرد "أعراض موسمية عابرة"، ليكشف عن خلل أعمق في الوعي الصحي والسلوك المجتمعي. ويؤكد مواطنون أن العدوى باتت تنتقل بسرعة لافتة داخل البيوت والمدارس وأماكن العمل، في مشهد يعيد إلى الأذهان ذروة تفشّي الأوبئة في الأعوام الماضية، ولعلّ آخرها جائحة "كوفيد - 19". وفي حديث لـ"العربي الجديد"، يؤكد طبيب الأمراض الصدرية والأطفال محمد البياتي أنّ "الأعداد لم تنخفض كما كان متوقعاً بعد انتهاء فصل الشتاء، بل نلاحظ استمرار تدفق الحالات المرضية، ولا سيّما الأطفال الذين يعانون من ارتفاع درجة حرارة الجسم والتهابات في الجهاز التنفسي". ويضيف: "كثير من هذه الحالات يرتبط بمتحورات فيروسية تنتشر بسرعة، مستفيدة من ضعف الالتزام بالإجراءات الوقائية". ويعزو البياتي هذا الوضع إلى عاملين رئيسيين؛ الأول هو استمرار ظهور متحورات جديدة، والثاني هو انخفاض الوعي المجتمعي، ويقول: "بات كثيرون يتعاملون مع الأعراض باستخفاف، ويختلطون بالآخرين، ما يسهم في توسيع دائرة العدوى، على الرغم من جهود وزارة الصحة العراقية في نشر التوعية، إلى جانب استمرار الإرشادات الطبية الصادرة عن المؤسسات الصحية والأطباء والنشرات التي تُوزّع بشكل دائم، وتؤكد أهمية الالتزام بإجراءات بسيطة لكنها فعالة، مثل غسل اليدين بانتظام، وارتداء الكمامات في الأماكن المزدحمة، وتجنّب الاختلاط عند ظهور الأعراض، وملازمة المنزل حتى التعافي"، مبيّناً أن "الاستهانة بالمرض هي التي تساهم في انتشاره، وأن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة التوعية إلى سلوك يومي". ويشير المواطن رائد السعيد في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن ابنه الصغير عاد من المدرسة وهو يعاني من حرارة مرتفعة وسعال، وبعد يومين بدأت أعراض الإنفلونزا تظهر على بقية أفراد الأسرة، حتى أصابته في النهاية، ويؤكد أن "المدارس صارت بيئة خصبة لانتقال العدوى، حيث لا يمكن السيطرة على سلوك الأطفال أو منعهم من الاختلاط"، مشيراً إلى أن المرض كان "شديداً هذه المرة، واستمر لأيام أطول من المعتاد". أمّا رافد الحسناوي (42 عاماً)، وهو بائع خضار في سوق شعبي، فيروي تجربته مع المرض، قائلاً لـ"العربي الجديد" إنّ الأطباء أبلغوه بأنه مصاب بأحد متحورات كورونا. ويضيف: "طبيعة عملي تجعلني عرضة للإصابة، فأنا أتعامل يومياً مع مئات الأشخاص، وألمس النقود بشكل مستمر، خصوصاً أن النقود ورقية، وتنتقل من يدٍ إلى أخرى، ومن مكانٍ إلى آخر، ولا يُستبعد أن تكون ناقلة للفيروسات". وعلى الرغم من توصية الطبيب ببقائه في المنزل لمدّة أسبوعين، غير أنّ الحسناوي لم يتمكن من الالتزام بذلك، ويضيف: "لازمتُ المنزل يومين فقط، ثم عدتُ إلى العمل، لأنّ غيابي يعني خسارة دخل يومي تحتاجه عائلتي". ويعكس هذا التحدي بين الالتزام الصحي والظروف المعيشية جانباً آخر من المشكلة، حيث يجد كثيرون أنفسهم مضطرّين إلى المخاطرة، ما يسهم في استمرار انتشار العدوى، فيما يجد آخرون أن العلاجات لم تعد نافعة، ولا يستبعدون أنها تضعف المناعة، وهو ما تعتقده منى ستار (38 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، وتُخبر "العربي الجديد" عن معاناتها مع تكرار إصابة أطفالها بنزلات البرد، وتقول إنّ المرض "ينتقل بينهم بشكل تسلسلي"، لكنّها تؤكد أنها لا تلجأ كثيراً إلى الأطباء، إذ تفضّل الاعتماد على العلاجات الشعبية، مثل الأعشاب، وتهوية المنزل، ومنع الأطفال من الخروج، وتشير إلى عدم ثقتها بالأدوية، معتبرةً أن "التلوث البيئي يلعب دوراً كبيراً في انتشار هذه الأمراض"، وتُلقي اللّوم على "إهمال الجهات المعنية، إلى جانب السلوكيات غير الصحية التي ينتهجها بعض السكان". هذا التباين في التعامل مع المرض، يقابله مشهد آخر في الصيدليات، حيث يؤكد الصيدلي أحمد العبيدي لـ"العربي الجديد" وجود "إقبال كبير على أدوية نزلات البرد والإنفلونزا الموسمية، إضافة إلى المعقمات والكمامات"، ويُرجع هذا الإقبال إلى "الانتشار الواسع لحالات الأمراض الموسمية، وخوف الأهالي من تفاقم الأعراض"، مشيراً إلى أنّ كثيرين في العراق باتوا "يشترون الأدوية فور ظهور أول عوارض مرضية". ويضيف العبيدي: "يعكس هذا السلوك وعياً جزئياً، لكنه يحتاج إلى توجيه"، منبّهاً إلى أنّ "المعركة مع نزلات البرد والإنفلونزا لم تعد موسمية كما كانت، بل باتت اختباراً مستمراً لمدى وعي المجتمع، وقدرته على التكيّف مع واقع صحي متغيّر".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية