يوروفيجن 2026... تغيب سلوفينيا لتحضر فلسطين
عربي
منذ ساعة
مشاركة
فجّرت سلوفينيا قنبلةً إعلاميّةً أسابيعَ قليلةً قُبيل انطلاق الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبيّة (يوروفيجن 2026)، حين أعلنت أنّ بثّها الرسمي، الإذاعي والتلفزيوني، سيستبدل بثّ الحدث الغنائيّ الأكثر مشاهدةً في شهر مايو/أيّار من كلّ عام، بعرض برامج عن فلسطين. جاء قرار الدولة الصغيرة ذات المليونين و100 ألف نسمة، والواقعة شرقَ القارّة، احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في المسابقة، على الرغم من استمرار ارتكاب جيشها جرائمَ حربٍ بحقّ الفلسطينيين في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما استبقت سلوفينيا خطوتها تلك بإعلانها الانسحاب من السباق، أسوةً بعدّة دولٍ أوروبيّةٍ أخرى، هي إسبانيا وهولندا وأيرلندا وأيسلندا. تأتي المواقف والخطوات استجابةً لحراكٍ فنّيٍّ ثقافيٍّ عالميٍّ غيرِ مسبوقٍ تضامناً مع القضيّة الفلسطينيّة، وهي تشهد واحداً من أشدِّ فصولها خطورةً. وتتصدّره مبادرتان: الأولى تحت شعار "لا موسيقى من أجل الإبادة"، وهي عريضةٌ وقّعها ألفُ فنّانٍ، منهم أسماءٌ ذات ثقلٍ ثقافيٍّ وجماهيريٍّ، مثل فرقة ماسيف أتّاك (Massive Attack) وكاتب الأغاني بريان إينو (Brian Eno). أمّا المبادرة الثانية فهي الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل، التي تنضوي ضمن حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، مقرّها رام الله، وتضمّ نخباً فلسطينيّةً، وقد تأسّست عام 2004. في وجه الحراك التضامني، الذي تجاوز المبادرات الأهليّة والنخبويّة إلى اتخاذ قرارات سياسية أعلنتها دول ذات سيادة وعضويّة في الاتحاد الأوروبي، تنبري مجموعةٌ تضمّ ألفاً من الفنّانين، من موسيقيّين وممثّلين، دفاعاً عن استضافة إسرائيل ورفضاً لنهج المقاطعة، الذي يؤدّي، بحسب رؤى أعضائها، إلى "تسييس الفن". تُطلق على نفسها منظمة المجتمع الإبداعي من أجل السلام، وتتميّز بتمثيلٍ أميركيٍّ واضحٍ، وأوكرانيٍّ تجلّى من خلال الممثّلة ميلا كونيس، ربّما لدحض حجّة القياس على قرار "يوروفيجن" بمنع الاتحاد الروسي من المشاركة منذ عام 2022، عقاباً له على غزوه لأوكرانيا. الغبار الإعلاميّ الذي تُثيره المعركة النشاطويّة حول "يوروفيجن"، ما بين مطالب بحرمان إسرائيل من دورتها السبعين ومدافعٍ عن حقّها في المشاركة، قد يُخفي تغيّراتٍ أعمق تؤسّس لحقبةٍ جديدة، لا تؤرّخ لمشهدٍ فنّيٍّ ثقافيٍّ مُغاير فقط، وإنّما تُعيد أيضاً رسم العلاقات السياسيّة بين الدول وتحديد موازين القوى الصلبة والناعمة، سواء داخل حدودها أو ضمن المجالات الجيوسياسيّة والجيوثقافيّة التي تتحرّك فيها، في ظلّ ما أصبح يُشار إليه على أنه نظام عالميّ جديد. يمكن اعتبارُ مسابقة الأغنية الأوروبيّة، التي انطلقت دورتها الأولى سنة 1956، واحدةً من واجهات النظام العالميّ الذي سبق أن تأسّس عقب انتهاء الحرب العالميّة الثانية بانتصار الحلفاء على ألمانيا النازيّة وإيطاليا الفاشيّة واليابان الإمبراطوريّة، وتمثّل بقيم الليبراليّة وعالمويّة حقوق الإنسان، ليسود عبر هيمنةٍ غربيّةٍ، عسكريّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ، تزعّمتها الولايات المتّحدة الأميركيّة زمن الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، ومجموعة الدول السائرة في مداره، إلى أن تحوّلت إلى هيمنةٍ كوكبيّةٍ شبهِ مطلقةٍ عقب انهيار جدار برلين عام 1989، وبدء عهد أحاديّة القطب والقرن الأميركي. ولئن ظلّ تبنّي الدولة العبريّة في المحافل الدوليّة ركناً من أركان النظام العالميّ الليبراليّ المُدار أميركيّاً، فإنّ السجال الدائر اليوم داخل الأوساط الثقافيّة حيال ممارسات إسرائيل بحقّ الفلسطينيين بات يؤذن بقرب موعد انتهاء صلاحيَة التظاهرات الكبرى، التي تروّج العالمويّةَ بوصفها هويّةً كُبرى جامعة، يُعبَّر عنها من خلال تعدّديّة الأطراف (Multilateralism) وتعدّد الثقافات (Multiculturalism)، ليس بين الحكومات الغربيّة أو غربيّة الهويّة فقط، بل أيضاً عبر توسيع تلك التعدّديّة لتشمل دولاً أخرى تنتمي إلى مجالاتٍ جيوسياسيّةٍ مجاورة، مثل تركيا، أو حتّى من كانت منافسة، مثل دول الاتحاد السوفييتيّ السابق، وعلى رأسها روسيا، أو يوغوسلافيا السابقة، ومنها سلوفينيا. أما اليوم، ففي وجه العالمويّة الأميركيّة التي احتضنت إسرائيل لأكثر من خمسين عاماً، ثمّة عالمويّةٌ جديدةٌ بدأت تتبلور هويّةً كُبرى بديلة، أخذت تزحف لتتصدّر المشهد الثقافيّ العالميّ، وقد تبنّت فلسطين شعاراً مركزيّاً لها. يتمثّل بها جيلٌ تقدّميٌّ من الشباب يرنو إلى قيم العدالة والمساواة، إلّا أنّه بات ينظر من خلال منظورٍ بين-تقاطعيٍّ غير تقليديّ، ليرى النضال الفلسطينيّ جزءاً من مسار تحرّرٍ إنسانيٍّ شاملٍ ضدّ جميع مؤسّسات القوّة والهيمنة. وسواء في ديمقراطيّاتٍ حديثة العهد، مثل سلوفينيا، أو أخرى عريقة، بات يُشكّل ما يُشبه جماعة ضغطٍ تضمّ فئاتٍ من الشعب والنخب، لها أن تؤثّر في حسابات السياسيّين داخل بلدانها. في هذا السياق الحقبويّ، يمكن اعتبار تحوّل مسابقة الأغنية الأوروبيّة إلى ساحة مواجهةٍ بين متضامنٍ مع فلسطين ومدافعٍ عن إسرائيل، على أنّه متعلّقٌ بخصوصيّة الوسط الموسيقيّ الأوروبيّ. إذ على الرغم من ارتباط مشاهيره بعقودٍ سخيّةٍ مع شركاتٍ كبرى للتسويق والإنتاج الفنّيّ، يبقى متأثراً بجذوره اليسارية المناهضة للحرب، ومحافظاً، نسبياً، على استقلاليّته الأيديولوجيّة، ما يجعله قابلاً لتبنّي العالمويّة الجديدة ورفع الصوت عالياً في الدفاع عن فلسطين، بوصفها قضيّتها المركزيّة.  على خلاف نظيره الأميركيّ المتّصل عضويّاً بالصناعة الترفيهيّة، التي لا تزال وثيقةَ الصلة بجماعات مصالح السياسة والمال، ومن ثمّ أكثر امتثالاً لمؤسّسات صناعة القبول (Manufacturing Consent) الموجِّهة للرأي العام والمسيِّرة لوسائل الإعلام. لعلّ المفارقة التاريخيّة ههنا أنّ إسرائيل، التي وُلدت من رحم النظام العالميّ الجديد الذي تأسّس على إثر فظائع الحرب العالميّة الثانية، وتمثّل بقيم الليبراليّة العالمويّة والإنسانويّة القائمة في جوهرها على منع تكرار جرائم الماضي، وعلى رأسها الهولوكوست، تبدو بممارساتها التدميريّة الخارجة عن القانون الدوليّ ومواثيق حقوق الإنسان، سواء في قطاع غزّة أو الضفّة الغربيّة، واليوم في لبنان، وكأنّها تدقّ في نعشه المسمار الأخير، ليخلفه نظام عالمي جديد، قائمٌ على شريعة الغاب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية