قهوة نوى التمر... "الذهب الأسود" للجنوب التونسي
عربي
منذ يوم
مشاركة
أبدع حرفيّو الجنوب التونسي بابتكار وصنع قهوة متميزة من نوى التمر باتت تُطلب في المعارض الدولية، مع ما تشكله من مورد رزق للمئات. في قلب الجنوب التونسي حيث تمتد واحات النخيل على آلاف الهكتارات وكأنّها بحر أخضر لا ينتهي، تُولد من رحم الصحراء قهوة لا تُشبه غيرها. ليست مستخرجة من حبوب مستوردة من المرتفعات الأفريقية أو اللاتينية، بل هي قهوة مستخرجة من نوى التمر. ذلك الجزء الذي كان يُلقى قديماً أو يُقدّم علفاً للمواشي، تحوّل اليوم بفضل أنامل حرفيين وحرفيات في ولايات الجنوب إلى "مشروب سيادي" يغزو حتى بعض المقاهي والأسواق، حاملاً معه عبق الواحة وروح الطبيعة والأرض. لا تنطلق حكاية صنع قهوة نوى التمر من داخل المطحنة، بل من الواحات الممتدة في الجنوب التونسي، تحديداً في واحات توزر ونفطة وقبلي وقابس، إذ يُشكّل النخيل عماد الحياة هناك، وأبرز مورد رزق في تلك المناطق. يُجمَع التمر من صنف دقلة النور على وجه الخصوص، وبعد عمليات الفرز والتعليب، تبقى أكوام من النوى التي تُستخرج خصوصاً من ثمار التمر التالفة. هذه النوى التي كانت تُعتبر فضلات أو تُعطى علفاً للمواشي بعد طحنها، باتت اليوم "الذهب الأسود" الجديد للجنوب التونسي. رُقيّة النفاتي، إحدى أبرز صنّاع القهوة من نوى التمر في مدينة قبلي، تقول لـ"العربي الجديد" إنّها لا تحصل على نوى التمر من تلك المخلّفات التي يُلقيها أصحاب الواحات أو المزارعون، بل تقتني ثمار التمر طازجة، لتحوّلها إلى مربّى أو عجين تمر يُستعمل في صنع بعض الحلويات. وتستخرج رُقيّة من التمر أيضاً السكر الذي يستخدمه مرضى داء السكري بشكل خاص أو من يتبعون حمية غذائية لتخفيف الوزن، فيما تستغل النوى لصنع القهوة. وتضيف: "في البداية، كان الناس يستغربون إمكانية شرب قهوة من نوى التمر، ويتساءلون عما إذا كانت تُعدلّ المزاج مثل الكافيين الذي توفره القهوة العادية. ولكن بعد سنواتٍ بات لدينا العديد من الحرفاء (الزبائن والمستهلكين)، ولا سيّما أولئك الذين يشتكون من ارتفاع ضغط الدم، ويمتنعون عن تناول الكافيين بسبب ظروفهم الصحية، فيما يقوم آخرون بخلط قهوة نوى التمر مع القهوة العادية للاستمتاع بطعم الكافيين من جهة، والاستفادة من منافع نوى التمر من جهة أخرى".  تُحدّثنا رُقيّة عن مراحل تحويل النوى الصلبة إلى مسحوق ناعم ذي نكهة قوية، وتقول: "إنها عملية تتطلب صبراً ودقة، وتمرّ بمراحل محدّدة، وهي ليست بالأمر السهل. إذ تبدأ العملية بغسل النوى بالماء الفاتر لإزالة بقايا السكر والألياف العالقة، ثم تُجفّف تحت أشعة الشمس الحارقة لأيام حتى تفقد كل رطوبتها وتُصبح صلبة. بعد ذلك، نقوم بتحميص النوى في قدر كبير من الفخار أو النحاس على الحطب، وعلى نار هادئة جداً، كي لا تحترق وتفقد نكهتها ومنافعها". وتتابع: "الحرفي الذي خبر طريقة صنع القهوة من نوى التمر يعرف من الرائحة ولون الدخان متى نضجت. فالتحميص الزائد يُعطي مرارة حادّة للقهوة، والتحميص الناقص يترك طعماً نيّئاً. ويجب أن تتحوّل النوى تدريجياً من البني الفاتح إلى الأسود اللامع من دون أن تحترق". يقوم البعض بطحن النوى في البيت، فيما يقصد بعض الحرفيين الآخرين مطاحن خاصة، ولا سيّما إذا كانت الكميات كبيرة. وتشير رُقيّة إلى أنّ قهوة النوى لم تعد حبيسة الجنوب التونسي، بل بدأت تشق طريقها نحو الأسواق كافة داخل البلاد، ونحو التصدير أيضاً. إذ باتت هذه القهوة تُطلب في المعارض الدولية، خصوصاً الأوروبية منها في باريس وبرلين، وذلك بفضل التغليف العصري والشهادات الصحية والتسويق الجيّد. حتى إنّ الذين لم يُعجبهم مذاقها يخلطونها مع القهوة العادية للاستفادة من منافعها الصحية، بحسب قول رُقيّة. ويشير عمر الشهباني، الذي يصنع القهوة من نوى التمر منذ أكثر من خمسة أعوام، إلى أنّه قديماً كانت تُستخدم "الرحى" الحجرية التقليدية، أما اليوم فتُستخدم مطاحن كهربائية قوية قادرة على تفتيت النوى الصلبة، وتحويلها إلى مسحوق ناعم يُشبه في ملمسه ولونه القهوة العادية، ثم تأتي مرحلة تعبئة القهوة الخام في أوعية بلورية، أو قرطاس شفاف. كما يُضيف البعض نكهات على غرار بودرة الورد العربي أو القرفة أو الهال وغيرها من النكهات التي تُضاف إلى القهوة العادية، لتكتسب مذاقاً عطرياً يذكّرك بجلسات الشاي والقهوة العربية الأصيلة. ويضيف الشهباني: "كان الحرفيون في السابق غير مقتنعين بشرب قهوة نوى التمر خوفاً من مذاقها، لكن بعد معرفة منافعها بات العديد منهم يُقبلون عليها ويخلطونها مع القهوة العادية". يعتمد هذا القطاع اليوم بشكل كبير على الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إذ يحصل بعض صانعي هذه القهوة على النوى مجاناً، ولا سيّما من مصانع تعليب التمور. وقد باتت "قهوة النوى" مورد رزق لمئات العائلات، ومحرّكاً لتشغيل النساء الريفيات اللواتي وجدن في تثمين مخلّفات النخيل فرصة لتحقيق الاستقلال المادي والحفاظ على التراث، خصوصاً أنّ مساحة الواحات في تونس شهدت توسعاً كبيراً خلال الأعوام الأخيرة، إذ فاقت 58 ألف هكتار عام 2021 مقارنةً بـ16 ألف هكتار فقط عام 1974. وتتركّز معظم الواحات في ولايات الجنوب التونسي، في كلّ من توزر وقبلي وقابس وقفصة، وتوجد فيها أكثر من خمسة ملايين نخلة. كما تنتشر مصانع تعليب التمور بكثرة، وكذلك محال صنع مربّى التمر، حيث يقدّمون النوى لكل الحرفيات والحرفيين الذين يتقنون صنع هذه القهوة. وما يميّز قهوة النوى عن القهوة العادية هو خلوّها التام من الكافيين، ما يجعلها المشروب المثالي لمن يعانون من الأرق أو مشاكل ارتفاع ضغط الدم. ويؤكد أغلب الحرفيين أنّ قهوة نوى التمر صديقة للجهاز الهضمي، بفضل غناها بالألياف، وتساعد في تحسين الهضم وعلاج الإمساك، كما تحتوي على نسبة عالية من الفوسفور والبوتاسيوم والمغنيسيوم، ما يعزّز جهاز المناعة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية