الأفغانيات النازحات... ظروف قاسية وصدمات نفسية
عربي
منذ يومين
مشاركة
بين آلاف اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الحرب على الحدود بين أفغانستان وباكستان، تحمّلت النازحات الأفغانيات العبء الإنساني الأكبر. تروي ليلى سمير خان التي نزحت مع أسرتها إلى مدينة كرديز (جنوب) ثم إلى العاصمة كابول، تفاصيل رحلة نزوحها، وتقول لـ"العربي الجديد": "أول مشكلة واجهتها النساء كانت غياب المراحيض على طول الطريق وفي أماكن الإيواء بمدينة كرديز، وشكل ذلك معاناة كبيرة". وتضيف: "لم نجد مكاناً مناسباً للإقامة، إذ وصلنا إلى كرديز حين كانت الأمطار تتساقط، ولم يكن هناك مأوى يحمينا من البلل والبرد، لذا كنّا نحتاج إلى مكان آمن يقينا مع الأطفال من المطر، ولم تتوفّر سوى خيام نُصبت في مكان مفتوح. ولاحقاً اتخذت الحكومة إجراءات جيدة وحلت مشكلة الإيواء. المشكلة امتدت إلى نقص المواد الغذائية، وصعوبة الحصول على طعام كافٍ، كما ظهرت مشكلات صحية عدّة لدى النساء نتيجة سوء الظروف المعيشية، ما زاد معاناتهنّ التي تحوّلت لاحقاً إلى صدمات نفسية قاسية لدى كثيرات، خصوصاً بسبب الابتعاد عن منازلهنّ التي كانت تشكل مركز الآمال والأحلام وخطط المستقبل". وتشير إلى أنّه "بعد المكوث فترة في مخيّمات إيواء مؤقتة استطاعت بعض العائلات التوجه إلى مناطق يقيم فيها أقارب أو معارف في مختلف المدن، ومنها العاصمة كابول، ما خفّف جزءاً من معاناتها، أما تلك التي لم يكن لها أقارب فاضطرت إلى البقاء في مخيّمات الإيواء المؤقتة، وهي خيام منصوبة في أماكن مفتوحة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة".  وتقول فضيلة عبد الله التي نزحت من مديرية نازيان بولاية ننغرهار وتعيش في ضواحي مدينة جلال أباد، لـ"العربي الجديد": خسرت شريحة من النساء كل شيء بسبب الحرب مع باكستان. على سبيل المثال كانت نساء كثيرات يعملن داخل منازلهنّ في مهن بسيطة، مثل نسج السجاد أو الخياطة وصناعة الملابس، وكانت هذه الأعمال تشكل مصدر دخل لعائلاتهنّ، لكن بعد التهجير لم يستطعن مواصلة العمل ما أفقدهنّ مصادر دخل مهمة تعوض عدم وجود مؤسّسات إنسانية، كما منعت حكومة حركة طالبان بعضهن من العمل"، وتضيف: "ظل نقص الإمكانات الغذائية مشكلة مستمرة، إذ لم تعد الأسر تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية كما في السابق، والمرأة تدفع الثمن فهي تحتاج إلى الطعام كما أن بقاء أطفالها بلا طعام يرهقها أكثر". وفي شأن وضع النساء الحوامل تقول فضيلة: "تواجه كثير من الحوامل صعوبات في الوصول إلى الأطباء والأدوية والعلاج بسبب بعد المراكز الصحية وضعف الإمكانات المتاحة في مناطق النزوح. وقد تحوّلت المخاوف الصحية إلى هاجس يومي لدى الأمهات اللواتي يخشين على أنفسهنّ وأطفالهنّ في ظل غياب الرعاية الطبية الكافية". وتشير إلى أن "هذا جزء من معاناة النازحات الأفغانيات اللواتي اعتدن بسبب الأعراف القبلية على العيش ضمن مساحة منزلية خاصة، لكن النزوح أجبرهنّ على العيش في خيام أو أماكن مفتوحة تفتقر إلى الخصوصية، فلا توجد أماكن مناسبة لغسل الملابس أو الطهي أو الاستحمام، ما يجعل الحياة اليومية سلسلة متواصلة من المعاناة". وتقول الطبيبة النفسية الدكتورة رويا أحمدي التي تعمل مع النازحين، لـ"العربي الجديد": "تعاني كثير من هؤلاء النساء من أعراض الصدمة النفسية الناتجة عن فقدان المنزل والخوف المستمر وعدم وضوح المستقبل، فالانتقال المفاجئ من حياة مستقرة إلى حدّ ما إلى حياة قائمة على الانتظار والاعتماد على المساعدات يولد شعوراً بالعجز والقلق وفقدان السيطرة على مجريات الحياة، وتتحمّل النساء العبء النفسي الأكبر، لأنهنّ مسؤولات رعاية الأطفال والحفاظ على تماسك الأسرة رغم الظروف الصعبة". وتشير أيضاً إلى أنّ "النزوح لا يعني للمرأة الأفغانية فقدان المكان فحسب، بل كل شيء. المرأة تفقد عند النزوح كل ما كانت تملكه من دعم وأمان، وتجد نفسها بعيدة عن منزلها الذي يعطيها الخصوصية والحياة، وتصبح أكثر عرضة للعزلة النفسية، خاصة عندما تعيش الأسرة في مخيّم مؤقت أو على أطراف الطرقات من دون خدمات أساسية". وفي ظل استمرار الصراع الأفغاني - الباكستاني تبدو الحاجة ملحة إلى مؤسسات إنسانية دولية ومحلية تلبي احتياجات النساء النازحات، عبر توفير مرافق صحية آمنة وخدمات طبية ونفسية وفرص عمل صغيرة تساعدهنّ على استعادة جزء من استقلاليتهنّ. ولا شك في أنّ معاناة النساء النازحات تكشف الوجه الإنساني الأكثر صمتاً للحروب، إذ تستمر آثارها حتى بعد توقف أصوات السلاح. وتبقى الحالة النفسية والاجتماعية لشرائح مختلفة، خصوصاً النساء، شاهدة على ثمن النزاعات الذي تدفعه عامة الناس. ويطالب كثيرون بتفعيل دور المؤسّسات الإغاثية، كونها تمثل خط الدفاع الأخير لحماية ملايين البشر الذين اضطروا لترك ديارهم بحثاً عن الأمان، لكنّهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام رحلة نزوح جديدة لا تقل قسوة عن الحرب التي فرّوا منها. وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أنّ الأفغان يمثلون إحدى أكبر مجموعات اللاجئين في العالم، إذ يبلغ عددهم نحو 6.4 ملايين لاجئ موزعين في دول الجوار، وعلى رأسها باكستان وإيران، ودفعت عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021، أكثر من 1.6 مليون أفغاني إضافي إلى اللجوء نحو الدول مجاورة بحثاً عن الأمان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية