"مراسلون بلا حدود": حرية الصحافة في أدنى مستوياتها منذ ربع قرن
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
كشف تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 عن تدهور غير مسبوق في حرية الصحافة عالمياً، مع دخول أكثر من نصف دول العالم ضمن الفئات التي تُصنَّف فيها الأوضاع "صعبة" أو "خطيرة للغاية"، في سابقة لم يشهدها المؤشر منذ إطلاقه قبل 25 عاماً. ويعكس هذا التراجع انخفاضاً قياسياً في المعدل العام للتقييم، في ظل تآكل تدريجي للحق في الوصول إلى المعلومات منذ عام 2001، حتى داخل بعض الديمقراطيات، نتيجة توسّع القوانين المقيّدة، خصوصاً المرتبطة بالأمن القومي. وسجّل المؤشر القانوني ضمن تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود التراجع الأكبر هذا العام، في مؤشر إلى تصاعد تجريم العمل الصحافي، فيما شهدت منطقة الأميركتين تحولات لافتة، مع تراجع الولايات المتحدة سبع مراتب، واستمرار انزلاق عدد من دول أميركا اللاتينية في دوامة من العنف والقمع. لم يسبق أن هبط متوسط السجل الإجمالي للبلدان التي شملها التقييم إلى هذا الحدّ من التدني. فقد بات أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%) يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه "صعب" أو "خطير للغاية"، بينما كانت هذه المنطقة تقتصر على أقلية ضئيلة (13.7%) عام 2002. عام 2002 كان 20% من سكان العالم يعيشون في بلدان حيث كان يُعتبر وضع الصحافة "جيداً"، وبعد خمسة وعشرين عاماً لم يعد يتمتع بهذا الوضع سوى أقل من 1% من سكان العالم. في بعض البلدان، يُعزى هذا التراجع إلى اندلاع النزاعات المسلحة بوتيرة متكررة، كما هو الحال في العراق (162) والسودان (161)، واليمن (164)، إذ من الطبيعي أن تكون الحروب الدائرة قد تركت بصمتها الواضحة هذا العام، ولا سيما الحرب التي تقودها حكومة بنيامين نتنياهو على قطاع غزة ولبنان. فلسطين أخطر مكان في العالم صنّفت منظمة مراسلون بلا حدود فلسطين أخطر مكان في العالم على الصحافيين، في ظل تصاعد غير مسبوق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق العاملين في الإعلام. فمنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 220 صحافياً في قطاع غزة، من بينهم ما لا يقل عن 70 في أثناء تأدية مهامهم، في مؤشر صارخ على استهداف العمل الصحافي مباشرة. ترتفع الحصيلة إلى أكثر من 260 شهيداً من القطاع الإعلامي، وفقاً لإحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة. ويتفاقم الوضع في غزة نتيجة القصف الإسرائيلي واسع النطاق الذي دمّر أجزاء كبيرة من البنية التحتية الإعلامية والاتصالات، ما أعاق قدرة الصحافيين على العمل، فيما يُجبر كثير منهم على مواصلة التغطية في ظروف إنسانية قاسية، تشمل نقص الغذاء والماء وغياب أي حماية. كما يفرض الاحتلال الإسرائيلي حصاراً مشدداً على القطاع، ويمنع دخول الصحافيين الأجانب، ما يجعل الصحافيين المحليين المصدر شبه الوحيد لنقل الوقائع، في بيئة عالية الخطورة، حيث يتحول العمل الصحافي إلى مهمة يومية محفوفة بالقتل والاستهداف المباشر. ولا يقتصر هذا الواقع على قطاع غزة، إذ تشهد الضفة الغربية والقدس الشرقية تصعيداً موازياً في الانتهاكات، مع تزايد الاعتقالات والتضييق على الصحافيين، إلى جانب الاعتداءات المتكررة من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، وسط إفلات شبه كامل من العقاب. ويمتد هذا الاستهداف إلى لبنان، حيث وثّقت نقابة محرري الصحافة اللبنانية مقتل 27 صحافياً بنيران إسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. واستُهدف صحافيون بغارات إسرائيلية مباشرة، فيما أُجبر آخرون على النزوح القسري، وتعرّض بعضهم لتهديدات مباشرة بالقتل من جيش الاحتلال. وبالتوازي، يواجه الصحافيون في لبنان أيضاً أشكالاً متعددة من الترهيب والاعتداءات من جهات محلية، إلى جانب استدعاءات للاستجواب بسبب عملهم الإعلامي، في ظل استمرار الإفلات من العقاب في جرائم اغتيال الصحافيين، ما يعمّق هشاشة بيئة العمل الإعلامي في البلاد. ورغم هذا الواقع، سجّل لبنان تحسّناً نسبياً في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026، إذ حلّ في المرتبة 115 من أصل 180 دولة (بمجموع 46.49 نقطة)، متقدماً من المرتبة 132 عام 2025.  وفي السياق، تراجعت دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى المرتبة 116 (-4)، مع تصاعد القيود على العمل الصحافي، سواء عبر الرقابة العسكرية المسبقة، أو من خلال قوانين توسّع تجريم المحتوى وتتيح حظر وسائل إعلام أجنبية، إلى جانب تضييق متزايد على الصحافيين، ولا سيما العرب منهم، وتعقيد إجراءات اعتماد الصحافيين الأجانب، في ظل هيمنة خطاب قومي متشدد. سورية تتقدم على مؤشر "مراسلون بلا حدود" برزت سورية بوصفها الحالة الأبرز من حيث مستوى التقدّم في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026، إذ قفزت 36 مرتبة من 177 إلى 141، عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، لتنهي بذلك عقوداً من القمع الشديد الذي طاول العمل الإعلامي. ويأتي هذا التحسّن في سياق مرحلة انتقال سياسي، بعد سنوات طويلة قضتها البلاد ضمن قائمة أسوأ عشرة بلدان عالمياً في حرية الصحافة. وأشارت منظمة مراسلون بلا حدود إلى أن سقوط النظام أنهى خمسة عقود من القمع الممنهج الذي مارسه الأسد وعائلته ضد الصحافة، إلا أن هذا التحسّن لا يزال هشاً، في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي والضغوط الاقتصادية، ما يبقي سورية ضمن الدول شديدة الخطورة على الصحافيين. وشهدت البلاد انفراجاً نسبياً منذ تشكيل الحكومة السورية في مارس/آذار 2025، تمثّلت في دخول وسائل إعلام عربية ودولية، وإتاحة عمل المراسلين، إلى جانب تخفيف القيود الأمنية وتوسيع هامش الحركة، بعدما ظلّ هذا المجال خاضعًا لرقابة مشددة من أجهزة الاستخبارات لعقود. ويرى الصحافي السوري سامر المقداد أن هذا التقدّم يمثّل خطوة أولى نحو بيئة إعلامية أكثر انفتاحاً، وقال لـ"العربي الجديد": "لعقود خضعت الصحافة في سورية لرقابة أجهزة الأمن، وكانت الخطوط الحمراء تمنع التطرق إلى أي قضايا حساسة، فيما تحوّلت وسائل الإعلام الرسمية إلى أدوات بيد السلطة". وأضاف أن ترسيخ هذا التقدّم يتطلب توفير بيئة قانونية ومؤسساتية حامية، من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومات، وسنّ تشريعات تحمي الصحافيين، مشيراً إلى استمرار الحذر لدى المواطنين والصحافيين على حد سواء في التعاطي مع الإعلام، بفعل إرث القمع السابق. كما لفت إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي برزت بوصفها أحد الأطراف التي تعيق العمل الصحافي في الجنوب، مع تسجيل اعتداءات على صحافيين، من بينها اقتحام منزل مراسل تلفزيون سوريا. من جهته، أكد الباحث السياسي محمد المصطفى أن التغير السياسي كان العامل الحاسم في هذا التقدّم، لكنه شدّد على أن ترسيخ حرية الصحافة يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً، إلى جانب تبنّي الحكومات المتعاقبة سياسات داعمة للإعلام. وخلص المصطفى إلى أن التحديات لا تزال كبيرة، وفي مقدمتها الرقابة الذاتية المتجذرة نتيجة عقود القمع، إلى جانب مخاوف من انتهاكات قد تصدر عن أطراف متعددة، سواء من قوات الاحتلال الإسرائيلي أو جهات محلية، أو حتى أجهزة أمنية تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع العمل الإعلامي. المؤشر القانوني الأكثر تراجعاً تراجَع المؤشر القانوني أكثر من أي مؤشر آخر ضمن تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود هذا العام، إذ سُجل هذا الانخفاض في أكثر من 60% من البلدان، أي في 110 من أصل 180 بلداً بين عامي 2025 و2026، وشمل ذلك كلّاً من الهند (157) ومصر (169) وإسرائيل (116) وجورجيا (135)، على سبيل المثال لا الحصر. ذلك أن النزعة إلى تجريم العمل الصحافي أصبحت ظاهرة عالمية، عبر الالتفاف على قانون الصحافة وتوظيف القوانين الاستثنائية أو العامة على نحو تعسفي. ولا تخرج تونس (137) عن هذا المنحى العالمي القائم على "الحرب القانونية"، إذ يُستخدم المرسوم 54 المتعلق بـ"نشر أخبار زائفة" أداةً رئيسية لتجريم الصحافة الناقدة، فيما تعكس حالات تعليق عمل المنابر الإعلامية وتكرار الملاحقات القضائية توجهاً متزايداً نحو توظيف القضاء ضد الصحافيين. حتى في الديمقراطيات في الولايات المتحدة (64)، حوّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب استهداف الصحافة ومهاجمة الصحافيين إلى نهجٍ ممنهج، ما أفقد بلاده سبع مراتب لتتراجع إلى المركز 64 في تصنيف هذا العام. وفي السياق ذاته، يسير أبرز حلفائه في أميركا اللاتينية، ولا سيما خافيير ميليي ونايب بوكيلي، على النهج نفسه في التعامل مع وسائل الإعلام، ما انعكس تراجعاً في ترتيب بلدانهم، إذ سجّلت الأرجنتين (98؛ -11) والسلفادور (143؛ -8) انخفاضاً ملحوظاً على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة. وفي بلدان أخرى، تظل الأوضاع على حالها تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية، كما هو الحال في كل من الصين (178) وكوريا الشمالية (179) وإريتريا (180). هذا وتظل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط المنطقتين الأكثر خطورة على سلامة الصحافيين في مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود على غرار الوضع القائم منذ ربع قرن، إذ يتجلى ذلك من خلال ترتيب روسيا، التي تواصل حربها العدوانية على أوكرانيا وتراوح مكانها بين الدول الأكثر قمعاً لحرية الصحافة (المرتبة 172 من أصل 180 بلداً)، بينما لا تزال إيران (177؛ -1) ضمن أسوأ الدول في التصنيف، وهي التي ترزح بين مطرقة القمع الذي يمارسه النظام على شعبه والحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على أراضيها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية