مشاريع أنابيب نفط وغاز خليجية لمواجهة المخاطر الجيوسياسية
عربي
منذ يومين
مشاركة
دفعت تداعيات الحرب في الخليج قادة مجلس التعاون إلى التشديد، في قمة جدة، يوم الثلاثاء، على أهمية إقامة مشروعات مشتركة لأنابيب نقل النفط والغاز والربط عبر السكك الحديدية والإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية لرفع الجاهزية الدفاعية المشتركة، وإنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي لضمان توافر السلع والمواد الحيوية عند الأزمات، حسبما أورد البيان الختامي للقمة، فيما يتعامل خبراء طاقة ونقل مع هذه الحزمة بوصفها اختباراً لقدرة دول الخليج على تحويل الخطر الجيوسياسي إلى بنية تحتية أكثر مرونة، لا مجرد إعلان سياسي جديد. وتظهر تقديرات متخصصة أن واقعية التنفيذ تختلف من مشروع إلى آخر، وأن بعض المسارات باتت أقرب إلى التنفيذ لأنها تستند إلى بنية موجودة أو إلى قرارات تصميم جاهزة، بينما تظل مشاريع أخرى طويلة الأجل ومفتوحة على تعقيدات التمويل والتنسيق والأمن، ووفق هذا المعيار فإن الأقرب إلى التنفيذ على المدى القريب هو الربط الكهربائي الخليجي، لأنه مشروع تشغيلي قائم بالفعل ويمكن توسيعه سريعاً مقارنةً بالمشاريع الأخرى، حسبما أورد تقرير نشرته إنرجي كونيكتس (Energy Connects)، المتخصصة في شؤون الطاقة، في 21 إبريل/ نيسان الجاري. كما أن التقدم في بعض المقاطع الوطنية لبعض المشروعات، مثل التحرك الكويتي في تصميم جزء من شبكة السكك الحديدة، يدل على أن بعض عناصر الربط البري ما زالت تتحرك، لكن خبراء القطاع لا يضعون السكك الحديدية في الخانة نفسها مع الكهرباء من حيث السرعة أو سهولة الإنجاز، بسبب طول المسار وتباين الأولويات الوطنية واحتياجات التنسيق الجمركي والتشغيلي، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة رويترز في 7 إبريل الجاري. أنابيب نقل النفط والغاز أما أنابيب نقل النفط والغاز بحرياً فهي الأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، لكن نجاحها يتوقف على قرارات استثمارية كبيرة ومسارات آمنة لا تتعرض لتهديدات مماثلة لتلك التي يتعرض لها مضيق هرمز، إذ إن هذه المشروعات لا تلغي المخاطر لكنها تقلصها وتوزعها، حسبما أورد تقرير نشرته "فايننشال تايمز" في 24 إبريل/ نيسان الجاري. وحسب التقرير ذاته، فإن دول الخليج تملك بالفعل منافذ التفاف محدودة، مثل خط الشرق-الغرب السعودي وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي، وهي منافذ أثبتت أهميتها في الأزمات، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض كل الصادرات إذا طال التعطل أو اتسع نطاق التهديد. ولذا يرى محللون أن القيمة الحقيقية لمشاريع الربط ليست في إغلاق المخاطر نهائيا، بل في تقليل القدرة على ابتزاز الأسواق وتعزيز المرونة التشغيلية في وجه أي إغلاق جزئي أو كامل لمضيق هرمز، بحسب محللين. غير أن التحديات الأكبر لا تزال سياسية ومؤسسية بقدر ما هي تقنية، فكل مشروع عابر للحدود يحتاج إلى اتفاقات دقيقة حول التمويل والملكية والتشغيل والتعرفة والحماية الأمنية، وإلى درجة عالية من الثقة بين العواصم الخليجية في بيئة إقليمية لا تزال قابلة للتقلب السريع، حسبما أورد تقرير "إنرجي كونيكتس"، مشيرا إلى أن مشروع "المخزون الاستراتيجي الخليجي"، على وجاهته، يظل معلقاً بين الفكرة والتنفيذ ما لم يتحول إلى التزام جماعي محدد بالتمويل والمواقع والإدارة. وعليه فإن مشاريع الربط المائي والسكك والمخزونات أكثر عرضة للتأجيل من مشاريع الكهرباء أو بعض الأنابيب، لأنها تتطلب تنسيقاً مؤسسياً أوسع وقيادة سياسية أكثر دواماً، بحسب تقرير "إنرجي كونيكتس". الأكثر واقعية في هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ"العربي الجديد"، إلى أن مشروع الربط الكهربائي هو الأكثر واقعية ونجاحاً بين المشاريع الستة المطروحة في القمة الخليجية، نظراً لوجود بنية تحتية قائمة بالفعل وتشغيل هيئة كهرباء دول مجلس التعاون منذ عام 2009، والتي تربط حالياً 5 دول بقدرة تبادلية تصل إلى 1200 ميغاواط، ما يجعل الحديث عن توسعة وترقية الشبكة أكثر جدوى تشغيلية واقتصادية من البناء من الصفر. وعلى النقيض من ذلك، يعاني مشروع سكة الحديد الخليجية من التقطع والتعثر منذ عام 2003 بسبب الخلافات حول معايير العرض (القياسي مقابل الواسع) والنزاعات على حقوق العبور وتحديات التمويل، بحسب الخوري، لافتا إلى أن السعودية والإمارات أنجزتا أجزاء من شبكاتهما الوطنية، لكن مناطق الربط الحدودي لا تزال شبه معدومة. وتمتلك مشاريع أنابيب النفط والغاز سابقة نجاح متمثلة في خط الشرق-الغرب السعودي الذي تصل طاقته إلى 7 ملايين براميل يومياً، وخط "حبشان-الفجيرة" الإماراتي الذي تتجاوز طاقته 1.5 مليون برميل يومياً، بالإضافة إلى خط الكويت-البصرة الذي يقدم نموذجاً للربط النفطي الثنائي عالي الجدوى شرط توفر الإرادة السياسية، رغم بقاء إشكالية التمويل المشترك عقبة رئيسية، وفق رؤية الخوري. أما الربط المائي فيصنفه الخوري كـ"أعسر المشاريع تقنياً وسياسياً"، نظراً لتناقص المياه الجوفية في شبه الجزيرة العربية واعتماد دول مجلس التعاون الخليجي شبه الكلي على التحلية. ويشكل المخزون الاستراتيجي المشترك تحدياً إدارياً يتطلب بروتوكولات واضحة للإفراج عنه وإدارته أثناء الأزمات، وفق الخوري، ورغم أن التجارب الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة تفرض التزامات، فإن التطبيق الفعلي في الخليج يواجه صعوبات، غير أن أمن الطاقة يبقى محوراً استراتيجياً حساساً نظراً لمرور 21% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ممر شهد اضطرابات متكررة منذ أزمة الناقلات وحرب الخليج، كما يشير الخوري. معضلة السيادة في مشروعات الخليج يكمن العائق الأعمق أمام التكامل الخليجي في مسألة "السيادة"، بحسب الخوري، موضحاً أن تاريخ مجلس التعاون يكشف عن نمط متكرر يتمثل في الإعلان عن مشاريع كبرى في القمم ثم تعثرها عند التفاصيل التنفيذية بسبب خلافات الحوكمة وتوزيع العائدات وآليات حل النزاعات. ويضرب الخوري بأزمة حصار قطر عام 2017 مثالاً، إذ أظهرت مدى هشاشة التكامل الإقليمي أمام القرارات السياسية المفاجئة، مؤكداً أن مرحلة ما بعد الحرب تطرح تحديات مالية وسياسية كبيرة، حيث تواجه الحكومات الخليجية خيارات صعبة في تخصيص الاستثمارات بين المشاريع الوطنية ذات الأولوية والمشاريع المشتركة التي قد تكون عوائدها أقل أو غير مضمونة. ويعزز من صعوبة هذه الخيارات تقديرات الكلفة الهائلة للمشروعات، والتي تصل إلى 200 مليار دولار للسكة الحديد و10-30 مليار دولار لكل مسار رئيسي للأنابيب، بينما ترتبط المنظومة الدفاعية بمفاوضات التسليح مع الشركاء الغربيين ولا يمكن اتخاذ قرارات فيها بشكل منفرد. غير أن التوترات الإقليمية يمكن أن تكون محفزاً استراتيجياً للتكامل كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حسبما يرى الخوري، وبالتالي فإن التهديد الإيراني واحتمالات التصعيد قد تدفع نحو تكامل أعمق، رغم وجود خلافات بنيوية مثل التنافس السعودي-الإماراتي والتحفظات القطرية على المركزية السعودية، ونزعة الاستقلالية العمانية والكويتية، حسب تعبيره. تطبيق الوحدة الخليجية من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي، عبد الله الخاطر، لـ"العربي الجديد"، إلى أن مشروع الربط الكهربائي بين دول الخليج يعد من أنجح المشاريع الإقليمية من حيث واقعية التنفيذ، يليه مشروع شبكة السكك الحديدية الذي تمثل وصلة الرياض-الدوحة أحد تجلياته الاستراتيجية، مؤكداً وجود طموحات لتسريع وتيرة الإنجاز إلا أن الضغوط الناتجة عن تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز تدفع صانعي القرار نحو مراجعات وتأملات دقيقة قبل هذا التسريع. ويضيف الخاطر أن التشابك بين شبكات الطرق والسكك الحديدية والشحن والكهرباء والاتصالات مستوى يعزز التنسيق والعمل الموحد في المنطقة، ما يمكن دول الخليج من اتخاذ مواقف مشتركة وإظهار قوة موحدة تردع القوى الأخرى وتجعلها تحسب ألف حساب قبل أي مواجهة أو قرار عدائي. كما أن هكذا تكامل من شأنه أن يسهم في رفع الثقل السياسي والاقتصادي للخليج أمام القرار العالمي، بحيث ينظر المجتمع الدولي إلى المنطقة ككتلة موحدة وقوية وليست هشة أو مشتتة، ما يجعل الاهتمام بالقرار الخليجي مرهوناً بدرجة الوحدة والتنسيق بين دول مجلس التعاون، وفق رؤية الخاطر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية