إيزابيل ألليندي.. ما يهمني قبل أي شيء هو الأصوات المُكَمّمة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تُرجمت أعمال الروائية التشيلية إيزابيل ألليندي إلى 42 لغة، من بينها العربية. ومع ذلك، تقول في هذا الحوار الخاص مع "العربي الجديد" إنها لا تعرف كيف استقبل القرّاء العرب أعمالها، ولا حتى روايتها الأشهر "بيت الأرواح" التي نشرتها عام 1982، ولا تزال ممنوعة في بعض ولايات الجنوب الأميركي. مع ذلك، لم يؤثر هذا في حرية الكاتبة، التي تعيش في سان فرانسيسكو، بعيدةً عن وطنها تشيلي، حيث يحكم اليمين، وتأمل، كما تقول، "ألا يدوم طويلاً". في حديثها عن هذا العالم المضطرب، من الولايات المتحدة إلى أوروبا، مروراً بالشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، لا تنسى ألليندي حروب القرن العشرين وإباداته، ولا مستبدّيه، ولا احتلال الأراضي وتهجير سكانها. لذلك تلجأ إلى الأدب، إلى الرواية تحديداً، لنقل أصوات المعذّبين والمهمّشين والمهجّرين. لكن أيّ رواية تقدر أن تعبر عن مأساة غزة اليوم؟ تجيب ألليندي: "أحتاج إلى ثلاثمئة صفحة كي أكتب عن هذا الواقع المؤلم". جملة تختصر عجز اللغة أمام فداحة الإبادة، وتفتح هذا الحوار الخاص للكاتبة التشيلية الأكثر قراءة في العالم الناطق بالإسبانية مع "العربي الجديد". يبدو أن العالم يعيش اليوم لحظة متواصلة من الحروب والانفجارات. كيف تعيشين هذه المرحلة العالمية من الصراعات؟ وكيف تدمجينها في وعيك السردي؟ على مدى 84 عاماً من حياتي، كان العالم دائماً في حالة حرب. نعيش اليوم واقعاً عالمياً مترابطاً بحيث إن ما يحدث في أي مكان يؤثّر في البشرية جمعاء. كما أننا أصبحنا أكثر اطلاعاً: نعرف في اللحظة نفسها ما يجري في بقاع الأرض كلها. يخيّل إلينا أن هذه مرحلة شديدة الانفجار لأننا ننسى ما كانت عليه حروب وإبادات القرن العشرين، وسنوات الحرب الباردة، والدكتاتوريات والانقلابات العسكرية، وغزو واحتلال الأراضي، وملايين البشر الذين أجبروا على النزوح. في رواياتي تناولت موضوعات العنف والسلطة بطرائق متعددة، لأنهما يؤثران، وأحياناً يحددان حياة الشخصيات. أحتاج إلى ثلاثمئة صفحة كي أكتب عن الواقع المؤلم في غزة هل تستطيع الرواية أن تروي العالم الراهن، أم أننا بحاجة إلى أشكال أو حتى أجناس أدبية جديدة؟ يمكن للرواية أن تروي العالم الراهن، لكنها لا تقتصر عليه وحده. فالوسائط السمعية البصرية، مثل السينما والتصوير الفوتوغرافي، تروي الواقع باستمرار، وكذلك الصحافة. غير أن مزية الرواية تكمن في قدرتها على البقاء عبر الزمن. في حالتي، أحتاج إلى مسافة كي أروي الوقائع والأحداث. لا أستطيع الكتابة من قلب العاصفة. استطعت أن أكتب عن الانقلاب العسكري الذي وقع في تشيلي عام 1973 بعد ثماني سنوات، ومن المنفى. هل تشعرين أن هامش الحرية الذي يتمتع به الكاتب في عالم اليوم يتقلّص فعلاً؟ يُنشَر اليوم عددٌ من الكتب أكثر من أي وقت مضى، غير أنّ ثمة قيوداً تفرضها دور النشر. فالفرص المتاحة للأدب التجريبي وللكتّاب الجدد تظل محدودة. وفي بلدانٍ كثيرة لا تزال الرقابة السياسية قائمة، لكنني أعتقد عموماً أن حرية الكاتب ليست اليوم أكثر تقييداً مما كانت عليه في السابق. هل ما زالت الولايات المتحدة، بالنسبة لكِ، فضاءً حراً فعلاً للكتابة؟ نعم، لكنني محظوظة لأن اسمي معروف لدى القرّاء ودور النشر، لذلك لا أواجه مشكلات في النشر. إضافة إلى هذا، تُنشر كتبي مترجمةً إلى أكثر من 40 لغة، وهذا ما يجعلني غير مقيّدة بالظروف الراهنة في الولايات المتحدة. لقد مُنعت روايتي الأولى "بيت الأرواح" في بعض ولايات الجنوب، لكن هذا لا يؤثر في حريتي في الكتابة عمّا أرغب في سرده حقاً. لكن هل ثمة أشكال جديدة من الرقابة الثقافية أو غير المباشرة تؤثر في حرية التعبير؟ أحياناً، يُبالغ في ما يسمّى الصوابية السياسية وفي مسألة الاستيلاء الثقافي. لقد وصل الأمر إلى درجة يُفترض أن الكاتب لا ينبغي له أن يكتب عن ثقافة أخرى. ووفق هذا المعيار، لما كان بإمكاني أن أكتب عن السكان الأصليين في غواتيمالا، أو العبيد الأفارقة في هايتي، أو الصينيين في كاليفورنيا، أو العرب في الكاريبي. شخصياً لا ألتفت إلى مثل هذه القيود، وحتى الآن لم يفعل ناشرو أعمالي ذلك أيضاً. هناك كتّاب يفضلون البقاء على الهامش، رافضين التداخل بين السياسة والأدب. برأيك، هل الكاتب اليوم مجبر على اتخاذ موقف واضح إزاء ما يحدث في العالم؟ لا يوجد أي إجبار، وهذا يعتمد على الكاتب في المقام الأول. شخصياً، لا أستطيع أن أفصل الظروف الاجتماعية والسياسية عن حياة شخصياتي، لكن قصدي ليس الوعظ أو توجيه رسالة أو تغيير طريقة تفكير القرّاء. قد يحدث ذلك رغماً عني، لكنه ليس مقصوداً بحد ذاته. في رواياتك، غالباً ما تتحول المأساة الفردية إلى صورة للصراع السياسي الكبير. عندما تنظرين إلى الواقع الذي يعيشه العالم اليوم، ما الصورة أو الشخصية أو اللحظة الروائية التي تفرض نفسها عليكِ بوصفكِ روائية، قبل أي تفسير سياسي؟ ما يهمني قبل أي شيء هو الأصوات المُكَمّمة. فالسلطة في يد المنتصرين، وهم في الغالب رجال (بيض). وهم من يكتبون التاريخ بطريقتهم، ويسردون الواقع كما يشاؤون. أما أنا، فأريد أن أركز على النساء، وعلى المهزومين، والفقراء، والمُهجَّرين، والمهمَّشين. هذا ما فعلته في رواياتي التاريخية، وهو ما أفعله أيضاً في رواياتي المعاصرة. روائياً، اشتغلتِ كثيراً على موضوعات الألم والذاكرة والمنفى. لو طُلب منكِ كتابة جملة واحدة لوصف ما يحدث اليوم في غزة بوصفكِ روائية، لا محللة سياسية، ماذا تقولين؟ لا أستطيع أن أكتب شيئاً عن ذلك الواقع المؤلم والمعقد في جملة واحدة. أحتاج إلى ثلاثمئة صفحة كي أعبّر عنه. أركز على النساء، وعلى المهزومين، والفقراء، والمُهجَّرين جزء كبير من رواياتك مترجم إلى العربية. هل لديك صلات بمترجميك العرب؟ وهل نقلوا إليك انطباعات القرّاء العرب عن أعمالك أو كيف استُقبلت؟ كان لي تواصل محدود جداً مع مترجميّ، والحقيقة أنني لا أعرف كيف تُستقبل كتبي لدى القرّاء العرب. وليست لدي فكرة عن انطباعات القراء العرب حول أعمالي. يؤسفني ذلك كثيراً. وأعتقد أن ناشريّ ينبغي أن يُبقوني على اطلاع أفضل. رواياتك مليئة بنساء قويات ومتمرّدات. هل يعود هذا البناء الأدبي إلى تجارب شخصية؟ أنا محاطة بنساء قويات. ومن خلال مؤسّستي، التي تعمل مع نساء في أوضاع خطرة وهشّة، أتعرف إلى نساء استثنائيات عانين ما لا يُتصوَّر، وفقدن كل شيء - أحياناً حتى أبناءهن - ومع ذلك ينهضن ويواصلن المضي بقدر كبير من الكرم والقدرة على الفرح. هنّ نماذجي. كيف ترين تشيلي اليوم؟ وهل تعتقدين أن هناك أسباباً ثقافية عميقة وراء هذا التحول السياسي في بلدان أميركا اللاتينية؟ في كل أربع سنوات، يتأرجح البندول السياسي بين اليسار واليمين. لدينا الآن رئيس من اليمين المتطرف، معجبٌ بسياسات ترامب، وقد انتُخب لسببين رئيسيين: الأمن والهجرة. وهذه المشكلات موجودة في الولايات المتحدة وفي كثير من دول أوروبا. وهذا ما يفسر التحوّل نحو اليمين، وآمل ألا يدوم طويلاً. يحتاج العالم إلى أشكال جديدة من الحكم. فمؤسسات وقوانين القرن التاسع عشر، التي ما زلنا نطبقها على الديمقراطية، لم تعد فعّالة. في القرن الحادي والعشرين ينبغي إعادة ابتكار التعايش الإنساني.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية