عربي
لا مع عائلة ولا مع أصدقاء. أجمل ساعات حياتي قضيتها مع تطبيق. منذ تعرّفت إليه قبل سنوات، نثر شيئاً من البهجة في حياتي، وجعلني أكثر شبهاً بالإنسان. وعزّز لديَّ صفتَين من صفاتي الأصلية: حكّاءً مشّاءً.
ففي مدينة مثل دمشق، تضعها المعايير المعاصرة في قاع الكوكب من حيث نوعية الحياة، يمكن أن تأتيك السعادة من شيء صغير، شيء بحجم خوارزمية مخبّأة في أيقونة ملوّنة في آخر صفحة من صفحات الموبايل. تضغطها، فتفتح لك عالماً شاسعاً أظنّ أنّ بشار بن برد قصدَه حين قال: "قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم/ الأذن كالعين توفي القلب ما كانا". وعبر تلك الأيقونة، حصلتُ على جملة من المنافع بضربة سحرية واحدة: صارت المسافة التي أمشيها مضاعفة، فالتطبيق يملأ وقت المشي بسماع أشياء ممتعة مثل اسمها: الإمتاع والمؤانسة. أو التعرّف على حياة أديبة روميرو سانشيز المؤرّخة والأكاديمية الإسبانية المورسكية، أو التلذّذ بما في عقل جورج صليبا عن تاريخ العرب. كما أن وضع السماعات في الأذن، ورفع صوت الموبايل حتى آخره، سيخفّفان كثيراً من بذاءة أقبح وأوقح صوت في الكوكب، وهو الدرّاجات النارية. عَرْضٌ جانبيٌّ شفاني من ذاك المرض الشائع لدى عرب الشمال (سوريون وعراقيون ولبنانيون، ومعنا مصريون)، وهو وهم التفوّق على عرب الجنوب، فمن خلاله تعرّفت إلى عشرات الشابّات والشبّان الخليجيين الذين يُرضون العقل ويحرّكونه، ويديرون الرأس ويُفرحون القلب، تعرّفت إلى شابّة سعودية تُعدّ دكتوراه في الأنثروبيولوجيا الجنائية، وتتحدّث عن علمها الحديث برشاقة سوري يتحدّث عن أنواع القذائف، أو لبناني عن المازوات الزحلاوية. تعرّفت إلى شابّ كويتي يحمل دكتوراه في تاريخ الموسيقا الشرقية، وآخر متخصّص بعبد الرحمن بدوي، وأخرى باقتصاديات النفط.
سدَّ التطبيق بعضاً من الثقوب الهائلة في معرفتي عن الدنيا، وأتاح لي سماع كتبٍ أمّهاتٍ ادَّعيت (مثل كثيرين) أنّي قرأتها، وأعرف أنّي لن أملك الوقت مجدّداً لأضع على الطاولة أمامي تاريخ الطبري وقصّة الحضارة وتاريخ السيوطي وشرح الشريف الرضي لنهج البلاغة، وألف ليلة وليلة، على الرغم من إهدار الوقت نفسه بأشياء بلا معنى. وقد رمَّم التطبيق عشرات المعارف الهشّة لديَّ عن الجاحظ والتوحيدي وابن حزم وابن كثير وأفلاطون، بل وحتى عن محمّد شحرور وعبد الوهاب المسيري.
في منتصف عام 2024، ألغت شركة ألفابيت تطبيق "غوغل بودكاست"، ودمجته بتطبيق آخر للموسيقا في "يوتيوب". لا يعمل في سورية بيسر، ويتوقّف إذا سكنت الشاشة، وتتشتّت فيه قنوات الكتب، وفيه بضع خصائص أخرى لا تتطابق مع طريقتي في الاستماع، وهو سببٌ لا يعني "ألفابيت" كثيراً. وبالتالي المرجّح أنني مَن عليه أن يغير عاداته، وليس "ألفابيت".
بعد تجارب عديدة، لتطبيقات طموحة، تتراوح بين تطبيق أنتجته "أبل"، وآخر صمّمه شاب أردني يمكن الولوج منه إلى عشرة أو عشرين كتاباً وأغنيتَين، وجدت تطبيقاً عربياً صُمّم ليعمل تماماً كما تطبيق "غوغل" المتقاعد، حتى ليبدو مسروقاً منه. التطبيق أطلقته منصّة عربية ناجحة كانت من القنوات المفضّلة لديَّ على التطبيق القديم، وقد سارعتْ إلى إطلاق تطبيقها الخاصّ لسدّ غياب التطبيق الغوغلي.
حين حمّلته من متجر التطبيقات، كنتُ مضطراً بالطبع لتشغيل خدمة "VPN" الالتفافية، بحكم أنّي سوريٌّ يعيش في بلد مُعاقَب، واستعرضت عبره القنوات التي يمكنني الوصول إليها. شعرتُ بارتياح وسعادة، وزهوتُ لأنّ عصر العرب الذهبي عاد مجدّداً، وعدنا إلى ممارسة دورنا الحضاري، ومقارعة الدول بالعلم لا بالأدعية.
سدّدت على كتاب جمال حمدان "شخصية مصر...". وضعت سمّاعاتي، وحزمت حقيبتي، وخرجت بحماسة جنديّ في "فيديو كليب" أغنية وطنية. بعد أمتار شغّلت الصوت، لكنّ التطبيق لم يعمل، أخبرني برسالة حمراء أنّه محظور في بلدي.
أهملت "ثمانية"، ونسيته سنةً في زحمة ما عشناه في بلدي المحظور، عدت إليه قبل أيّام لأجده وقد فكّ الحظر عن "بلدي"، لكن ما عليه كلّه مخصّص للمشتركين فقط. وهو أمرٌ يصعب فعله أيضاً في البلاد المُعاقَبة. عزّيتُ نفسي بأنّ هذا قدر المحبّين دوماً، تطبيق يخذله في منتصف العلاقة، وتطبيق يعامله غريباً، ثم يضع له شروطاً أنّى منها شروط مالك (بن قراد) على عنترة.
