عربي
بينما كان مئات الآلاف من السوريين يتخبّطون في وحل العالم وانعدام حسّه الأخلاقي، كان عاطف نجيب في خلفية المشهد دائماً، لا بشّار الأسد، بل ابن خالته. هناك دائماً حجر صغير يَعلَق في كعب الحذاء ويسبّب الألم، وربّما الوقوع أرضاً، تماماً مثل عاطف نجيب الذي كان وراء كل شيء.
ثمّة من يُعيد السبب إلى طبيعة النظام، إلى وحشيّته ومراهقته التي لا تقيم وزناً لشيء، والحال هذه يكون عاطف نجيب تكثيفاً لهذه الحالة الشاذّة التي مرّ بها شعبٌ عظيم، تشرّد نحو نصفه في الأرض، وقضى بعضهم في البحار وعلى اليابسة، وقُتل آخرون بكلّ سلاح توفّر بين يدي نظامهم السياسي.
كنتَ تسمع دبيبَ الخوف، ذلك البكاء الصامت الذي يجرح قعر الروح، ذلك اليأس الذي مزّق قلوبهم، والشوق الجارف الذي ظنّوه مستحيلاً: أن ينتهي ذلك الكابوس، فيعودون مثل بقية شعوب الأرض مجرّد مواطنين في منطقة الشرق الأوسط، يعانون القمع السياسي مثل غيرهم، ومن الفساد والظلم، لكن ليس من الإفناء الممنهَج، لا لشيء إلا لأنّهم سوريون.
وراء ارتجافة اليدَين هناك التهذيب الزائد عن الحدّ، لأنّ عليهم أن يتدبّروا أمورهم في بلاد الناس، والخوف في الليل، لأنّ ثمّة دوريات قد تجدهم وهم يبحثون عن عمل، أو ملجأ يخلدون فيه إلى النوم. خلف ذلك كان عاطف نجيب، العلامة الفارقة في بلاد لم تعرف سوى القتل والإذلال نحو 14 عاماً بلا توقف، وبلا أمل في أحيانٍ كثيرة.
عندما تنظر إلى الخلف، ترى أنّهم مجرّد أطفال مثل مئات الملايين غيرهم، وأنّها مجرّد مدرسة، وأنّها مجرّد مدينة في هذا العالم الكبير، وأنّ رجلاً مثله كان بمقدوره تغيير الصورة لو كان مجرّد أبٍ مثل غيره على هذه الأرض، لكنّه لم يكن. لقد تملّكته تلك الغطرسة التي أعمت بقية رجال نظامه، فمن هؤلاء؟ مجرّد فلّاحين وعشائر صغيرة تظنّ أنّ لوجودها معنى في غياب "السيّد الرئيس"، والأخير ليس فرداً، بل حالة تستعصي على أريكة سيغموند فرويد نفسه.
لقد عذّبهم، ثمّ أهان آباءهم، واقترح إبدالهم بآخرين من نظامه لإنجاب أطفالٍ غيرهم لا يكتبون على جدران مدارسهم أنّ "الشعب يريد...".
يظهر أحد أولئك الأطفال (معاوية صياصنة) في تقرير تلفزيوني، في نحو الثلاثين من عمره أو أقلّ، وما زال لا يستطيع أن يُعبّر بما يكفي عن كثافة تلك اللحظة التي نقلت بلاده من زمن إلى آخر، من الصمت على الطغاة إلى الإصغاء الفطري لنداءات الحرّية والانعتاق.
أحياناً كثيرة، تفكّر بل تتساءل: لماذا لا تستطيع الضحيّة التعبير بما يكفي عن نفسها؟ ألأنّ آلامها أكبر من أن تُحشر في لغة؟ ألأنّ للألم لغة أخرى؟ في الملامح التي يختلط فيها الانكسار بالرغبة المكبوتة في الانتقام، في التنحّي جانباً وبعيداً عن الناس، ثمّ التكوّم حول النفس إلى أن يصبح الجسد كلّه كتلة أصغر بلا ملامح، كأنّه يرغب في مغادرة اللحظة، ثمّ الحياة والكون كلّه؟
خلف ذلك، كان عاطف نجيب الذي عذّب سورية وليس أطفال درعا وحسب، وأهان معنى وجودها.
كان بإمكان بشار الأسد أن يقيله على الفور، لكنّه تأخّر عن محاكمته وسجنه، وعن أن يخترع سيناريو محكماً، وإن كان زائفاً يُظهره غاضباً من أجل شعبه، لكنّه لم يفعل، لقد فاتته الفرصة بأن يستفيد من صناعة الدراما السورية الحاذقة في الضحك على الذقون في عهد والده، لقد فاتته فرصة البقاء. خلف ذلك كان عاطف نجيب أيضاً وأيضاً... فالأخير لم يكن مجرّد نفسه، ليس فرداً، بل حالة تكثّفت فيها "الأسدية" في ذروة استخفافها وتجبّرها، فثمّة نخبوية ألغت من يفترض أن تمثّله، وهو الشعب أو الطبقة، وأصبحت أضيق حتى من أن تمثّل العائلة الصغيرة في نهاية المطاف، وثمّة نرجسية منتفخة وممتلئة بسادية سوداء، ربّما لو أُخضعت للتحليل النفسي لأعجزته، انتهت بانفجار الفقاعة وهروب الأسد نفسه بعد أن ترك بقيّة "الرفاق" لمصيرهم.
خلف ذلك كان عاطف نجيب. لو تصرّف كما يفعل الآباء حين أُحضر إليه أطفال درعا، مثل أي رجلٍ أنجبته أمّ ظلّت ترتجف خوفاً عليه من النوائب وهو يكبر أمام عينيها، لو فعل هذا لجنّب شعبه تلك المجزرة المهولة التي لم يحدُث لها مثيل في بقية الدول والأمصار.

أخبار ذات صلة.
مبيعات السيارات الكهربائية تتراجع عالمياً
الشرق الأوسط
منذ 20 دقيقة