عربي
في قراءة تأمّلية لمسار الدبلوماسية الإيرانية خلال العقد الأخير، يبرز سؤال جوهري: هل غيّرت طهران بوصلتها السياسية، أم أنّ ما تغيّر هو أسلوب إدارة علاقاتها مع العالم، خصوصًا مع الغرب؟
خلال فترة محمد جواد ظريف في وزارة الخارجية، راهنت إيران على ما يمكن وصفه بـ"الجاذبية السياسية". لم يكن ظريف مجرّد وزير، بل مهندس علاقات عامة ماهرًا، حوّل القوّة الناعمة والحضور الإعلامي الطاغي إلى أوراق ضغط دبلوماسية فعّالة أيام الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما. الاتفاق النووي عام 2015 شكّل بوابة لطهران لكسر العزلة وإعادة التموضع داخل النظام الدولي، إلا أنّ انسحاب واشنطن من الاتفاق في عهد ترامب شكّل اختبارًا حقيقيًّا لجدوى هذه الاستراتيجية.
وهنا، تجب الإشارة إلى أنّ مدرسة "ظريف" كانت تؤمن بـ"الدبلوماسية غاية" وأنها القادرة على تحييد التهديدات الوجودية، عبر بناء شبكة من المصالح المشتركة، لكن هذا النهج اصطدم بجدار الواقعية السياسية الفجّة التي انتهجتها واشنطن، ممّا أدّى إلى مراجعة داخلية عميقة في غرف صناعة القرار الإيراني. هذه المراجعة لم تكن تراجعًا عن التفاوض، بل كانت إعادة تعريف لشروطه، حيث أدركت طهران أنّ "الابتسامة الدبلوماسية" لا تكفي لحماية المُكتسبات إذا لم تكن مدعومة بقدرة ردع حقيقية.
أدركت طهران أنّ "الابتسامة الدبلوماسية" لا تكفي لحماية المكتسبات إذا لم تكن مدعومة بقدرة ردع حقيقية
مع أُفُول دور ظريف على الساحة الدولية، برز نجم عباس عراقجي، الذي يتبع منهجًا مختلفًا في التفاوض. الرجل يركّز على التفاصيل العملية والضمانات الملموسة، مُقاربًا الأمور من زاوية "توازن القوى" أكثر من بناء الثقة أو الانفتاح الرمزي. هذا التحوّل يعكس إدراكًا داخل إيران بأنّ العالم لم يعد يستجيب بسهولة للخطاب المرن، وأنّ امتلاك أوراق الضغط أصبح شرطًا أساسيًّا لأيّ تفاوض ناجح.
إنّ انتقال حقيبة الخارجية إلى عراقجي يمثّل أيضًا تحوّلًا من "الدبلوماسية الشخصية" إلى "دبلوماسية المؤسسة والميدان". فعراقجي لا يتحرّك كلاعب منفرد، بل بوصفه جزءًا من سيمفونية مُتناغمة، تربط المسار السياسي بالتطوّر التقني النووي والنفوذ الإقليمي. لم تعد الخارجية الإيرانية تبحث عن "صكوك غفران" دولية، بل أصبحت تسعى لفرض واقع جيوسياسي يجبر الخصوم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع الندية، لا من موقع البحث عن القبول.
لا يتحرّك عراقجي كلاعب منفرد، بل بوصفه جزءًا من سيمفونية متناغمة تربط المسار السياسي بالتطوّر التقني النووي والنفوذ الإقليمي
بين الوزير الأسبق والوزير الحالي، يمكن ملاحظة ثبات الأهداف الاستراتيجية الإيرانية في تعزيز موقعها الإقليمي والدولي، لكن بأساليب متباينة؛ فمن محاولة تقديم نفسها "شريكًا مقبولًا"، انتقلت السياسة الخارجية الإيرانية إلى رسالة أكثر صرامة مفادها: نحن قوّة لا يمكن تجاهلها. هذا الأثر يمتدّ بوضوح إلى العواصم الخليجية، حيث تراقب الرياض وأبوظبي والدوحة هذا النهج بحذر، وسط تصعيد سعودي مُتواصل في المواقف الرسمية ومناخ إقليمي متوتّر.
علاوة على ذلك، يتزامن نهج عراقجي مع انعطافة طهران نحو الشرق؛ فالرهان الإيراني لم يعد محصورًا في أروقة فيينا وجنيف، بل امتدّ ليعزّز تحالفات استراتيجية مع بكين وموسكو، ضمن رؤية ترى في "نظام ما بعد الغرب" مساحة أوسع للحركة والمناورة. هذا التنويع في الخيارات الدولية يعزّز من صلابة الموقف التفاوضي الإيراني، ويمنح عراقجي هوامش حركة لم تكن مُتاحة لسلفه الذي تركّزت معظم جهوده في محاولة فكّ شفرة العلاقة مع واشنطن.
في المحصلة، لم تغيّر إيران تموضعها الاستراتيجي، بل أعادت صياغة أدواتها الدبلوماسية لتتواءم مع واقع دولي أكثر خشونة. ومع التصعيد الأخير الذي تشهده المنطقة، وفي ظلّ العدوان الأميركي والإسرائيلي المباشر على طهران، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل كان الانتقال من "نعومة" ظريف إلى "واقعية" عراقجي مجرّد استشراف إيراني مُبكّر لمرحلة قوامها الصدام والمواجهة العسكرية، حيث لا مكان للدبلوماسية الهادئة؟ أم أنّه مجرّد تسلسل منطقي لانسداد الأفق السياسي وتصاعد الاشتباك الجيوسياسي في الإقليم؟
بين أسلوب محمد جواد ظريف ونهج عباس عراقجي، تبدو طهران وكأنّها تخلّت عن قفازات الحرير لتواجه العاصفة بقبضة أكثر إحكاماً، جامعةً بين المرونة التكتيكية والصلابة الاستراتيجية؛ في محاولة لفرض معادلاتها الجديدة وسط إقليم يغلي فوق صفيح ساخن، وتحت سماءٍ لم تعد تلبّدها الغيوم، بل تمزّق سكونها ألسنة النيران المُتبادلة ورشقات الصواريخ العابرة للحدود. إنّه صراع الإرادات الذي يثبت فيه الإيرانيون مرّة أخرى أنّ الدبلوماسية لديهم ليست مجرّد كلام، بل هي فن إدارة الفائض من القوة.