عربي
في ظل تسارع سباق التسلّح في أوروبا، ومحاولات إعادة بناء منظومتها الدفاعية، تتقدّم مسألة "الاستقلال الاستراتيجي" إلى واجهة النقاش السياسي، مدفوعة بالحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر مع روسيا. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع أكثر تعقيداً، حيث تتعثّر مشاريع كبرى يُفترض أن تشكل ركيزة لهذه الاستقلالية. ويبرز مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية SCAF بوصفه نموذجاً مكثفاً لهذا التناقض، إذ يكشف الفجوة بين الإرادة السياسية لبناء قوة دفاعية موحدة، وبين القيود الصناعية والمالية التي تحكم قرارات الدول الأوروبية. وبينما يتصاعد الإنفاق العسكري، تتعمق في المقابل الانقسامات بين العواصم، ما يضع المشروع، ومعه فكرة الاستقلال الدفاعي الأوروبي، أمام اختبار حاسم.
عندما أُطلق مشروع منظومة القتال الجوي الأوروبية المستقبلية SCAF عام 2019 في معرض باريس الجوي، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزيرة الدفاع الألمانية آنذاك أورسولا فون ديرلاين، بدا وكأنه إعلان ولادة مرحلة جديدة من "السيادة الدفاعية الأوروبية". الهدف كان تطوير مقاتلة من الجيل السادس تحل محل رافال ويوروفايتر تايفون، وتنافس الطائرة الأميركية إف-35 التي تهيمن على سوق المقاتلات الغربية. في 17 يونيو/ حزيران 2019، وقّع وزراء دفاع فرنسا وألمانيا وإسبانيا اتفاقية SCAF، وجرى الكشف عن النموذج الأولي للمقاتلة NGF وأنظمة "السحابة القتالية" المصاحبة، في خطوة اعتُبرت تأسيساً للتعاون الأوروبي في تطوير طائرات الجيل السادس.
لكن بعد سنوات من الخلافات الصناعية والضغوط المالية، بات السؤال أقل تقنية وأكثر استراتيجية: هل تستطيع أوروبا تحمل تكلفة المشروع؟ وهل يمكنها منافسة الصناعات الدفاعية الأميركية في سوق شديد التعقيد؟ الفكرة الأساسية تقوم على أن المقاتلة الأوروبية ستعتمد على تقنيات التخفي، وتعمل ضمن شبكة قتالية تربطها بطائرات مسيّرة وأنظمة دفاعية أخرى عبر "سحابة عسكرية" متقدمة، لكن يبقى السؤال الحاسم: هل ينجح هذا المشروع، الذي تقدّر قيمته بنحو 100 مليار يورو، في الوصول إلى مرحلة التنفيذ، في ظل استمرار الخلاف بين "داسو" الفرنسية والقسم الألماني من "إيرباص"، وتزايد الحديث عن المشروع كأنه في حالة "موت سريري" قبل اكتماله؟
فاتورة قد تتجاوز 400 مليار يورو
تشير التقديرات إلى أن تكلفة مشروع منظومة القتال الجوي الأوروبية المستقبلية (SCAF) قد تتجاوز 100 مليار يورو في مرحلة البحث والتطوير وحدها، لكن عند احتساب الإنتاج واسع النطاق وسلاسل الإمداد والبنية الرقمية وأنظمة "السحابة القتالية" التي تربط المقاتلة بالطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية والوحدات البرية، إلى جانب الصيانة والتحديثات على مدى 40 عاماً، قد تصل التكلفة الإجمالية إلى 300–400 مليار يورو. ومع إنتاج 500–600 طائرة، قد تتجاوز كلفة الطائرة الواحدة 200 مليون يورو، بينما تصل كلفة التشغيل إلى 30–40 ألف يورو لكل ساعة طيران، ما يجعل المشروع في مستوى ميزانيات دفاع دول كاملة لعقود.
وبلغ الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وفق تقرير الوكالة الأوروبية للدفاع، نحو 343 مليار يورو في 2024، وهو أعلى مستوى مسجل حتى الآن، وتوقّع له أن يرتفع إلى نحو 381 مليار يورو، ما يعادل حوالي 1.9–2.1% من الناتج المحلي الإجمالي لأعضاء الاتحاد الأوروبي، وهو رقم كبير ظاهرياً، لكنه يظل أقل بكثير من الإنفاق الأميركي الذي يتجاوز 800 مليار يورو سنوياً. ورغم ذلك، تتجه أكثر من 60% من مشتريات السلاح الأوروبية إلى الولايات المتحدة، خصوصاً طائرة إف-35، ما يعزز الصناعة الأميركية، ويضعف الاستثمار في المشاريع الأوروبية المشتركة، حيث بلغت ميزانية الدفاع الأميركية لعام 2024 حوالي 895.6 مليار يورو، ما يعادل ما يقرب من تريليون دولار عند التحويل، وهو ما يعطي صورة عن التفاوت الكبير بين الإنفاق الأميركي والدفاعي الأوروبي.
أعباء ديون وضغوط مالية
وتتحمّل فرنسا وألمانيا الجزء الأكبر من تمويل مشروع المقاتلة، لكن البلدين يواجهان قيوداً مالية واضحة. فالدين العام الفرنسي يقارب 115% من الناتج المحلي الإجمالي، ليحتل المرتبة الثالثة في المديونية بعد اليونان وإيطاليا على المستوى الأوروبي، فيما بلغ الدين العام الألماني نحو 2.7 تريليون يورو، أو 62 - 63% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب بيانات بنك ألمانيا المركزي (Bundesbank). وتواجه ألمانيا ضغوطاً سياسية داخلية للالتزام بقيود "مكبح الديون" الدستوري. ويصل متوسط نسبة الدين العام في الاتحاد الأوروبي إلى 82%، وفي منطقة اليورو إلى نحو 88%.
ويعاني الاتحاد الأوروبي من تعدد الأنظمة العسكرية، ما يرفع الكلفة ويضعف التكامل، فبدلاً من منصة موحدة، تنتج أوروبا عدة مشاريع متنافسة، ما يضاعف نفقات التطوير والتشغيل. في المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من إنتاج ضخم وسوق موحدة، ما يخفّض كلفة الوحدة ويعزز القدرة التنافسية، بينما تبقى المشاريع الأوروبية محدودة الإنتاج والتمويل.
الاستقلالية الاستراتيجية: ضرورة أم عبء؟
ويرى مؤيدو SCAF أن المشروع ضروري للحفاظ على القدرات التكنولوجية الأوروبية، بينما يحذر منتقدون من استنزاف مالي ضخم، في ظل تعدد المشاريع وضعف التنسيق، ما قد يفاقم التبعية التكنولوجية بدلاً من تقليصها.
ويقف مشروع SCAF أمام خيار حاسم: إما بناء قاعدة دفاعية أوروبية مستقلة، وإما النجاح في تأمين تمويل مستدام، وتصبح أوروبا قادرة على منافسة الولايات المتحدة، أو البقاء في دائرة التعثر تحت ضغط الكلفة والانقسام الصناعي. ورغم الاتفاق على تعزيز التعاون الدفاعي، لا تزال نسبة المشتريات المشتركة أقل من 20%، بعيداً عن الهدف الأوروبي المعلن، ما يعكس فجوة مستمرة بين الطموح والواقع.

أخبار ذات صلة.
داليدا... حضور يتجدّد رغم الغياب
العربي الجديد
منذ 28 دقيقة