عربي
منذ أكثر من عقد، تعيش مالي حالة عدم استقرار، وتواجه السلطة المركزية فيها تمرّداً مزدوجاً تقوده جماعات جهادية مرتبطة بتنظيمَي القاعدة وداعش، إلى جانب حركات طوارقية انفصالية في الشمال تعمل على إقامة دولة "أزواد" المستقلّة. وفي تطوّر درامي (منذ السبت الماضي)، شنّت حركات جهادية، أبرزها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بالتنسيق مع متمرّدين طوارق من جبهة تحرير أزواد، هجوماً واسعاً على العاصمة باماكو ومحيطها، خصوصاً قاعدة كاتي العسكرية (قرب العاصمة) وأربع مدن أخرى. قُتل وزير الدفاع ساديو كامارا (الرجل الثاني في المجلس العسكري الحاكم)، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، تتحرّك الجماعات المتمرّدة جنوباً باتجاه مناطق قريبة من العاصمة، وسط اشتباكات متفرّقة مع الجيش وقوات روسية تتبع "فيلق أفريقيا". ولنا أن نَعدّ تلك التطوّرات التحدّيَ الأبرز للمجلس العسكري الحاكم منذ 2021 بقيادة العقيد أسيمي غويتا، فالصراع الذي استنزف الأطراف يضغط اليوم مباشرة على باماكو، ويوحي بانتقاله من صراع مسلّح متعدّد الأطراف إلى حرب أهلية، فلم تعد الدولة المركزية تسيطر وحدها على الأرض، بل توزّعت السيطرة بين قوى متعدّدة تتقاطع ميدانياً بعد أن كانت تتحرّك بصورة منفصلة. تداخلت خطوط الصراع، وتعدّدت مراكز القوة، في انهيار للتوازن الذي حكم الصراع في السنوات الماضية. ويؤكّد امتدادُ المواجهات إلى محيط العاصمة قدرةَ الجماعات المسلّحة على تنفيذ عمليات متزامنة واسعة النطاق. وتعكس القوافل المسلّحة التي تتحرّك بحرية نسبية ضعف السيطرة الأمنية، ما يثير تساؤلات عن قدرة الجيش على احتواء الموقف.
بانهيار اتفاق السلام الموقّع في الجزائر (2015)، اشتعل الصراع مجدّداً في مالي، واستحوذ المجلس العسكري على السلطة منذ انقلاب 2020، ثم ثبّت سلطاته بقيادة أسيمي غويتا في انقلاب 2021. قدّم المجلس نفسه قوةً ضامنةً لاستعادة السيطرة بعد الفوضى وتآكل الدولة، فكان الحسم الأمني وإعادة ترتيب الداخل من أولويات المجلس، لكنّ الجماعات المسلّحة لم تتراجع؛ أعادت تنظيم نفسها ووسّعت نطاق حركتها، مستغلّة هشاشة الأطراف ومحدودية حضور الدولة المركزية خارج المدن الرئيسة، ولم تعد حدود السيطرة واضحة في الشمال، حيث الرمال تغطّي مساحات شاسعة، وبقيت مناطق كاملة تدار وفقاً للموازين المحلّية والتحالفات المتبدلة التي نسجت نفوذاً يتجاوز سلطة الدولة. ووجدت الحركات الطوارقية في هذا الفراغ مجالاً لإعادة طرح مشروعها المرتبط بالهُويّة والجغرافيا، وواصلت الجماعات الجهادية توسيع حضورها عبر بنية تنظيمية أكثر مرونةً اعتمدت على الانتشار بدلاً من السيطرة التقليدية. وتكشف الهجمات أخيراً هذا التحوّل مع اقتراب الصراع من العاصمة، ما يضع الدولة أمام اختبار مباشر لقدرتها على حماية مركزها الرمزي والسياسي، وبالتالي شرعيتها.
تحوُّل مالي إلى "بؤرة للإرهاب العالمي والمحلّي"، استجلب التدّخل الأجنبي. غادرت القوات الفرنسية مالي (2022)، بعد أن كانت ركيزة أساسية في معادلة الأمن، وترافق خروجها مع انسحاب الأمم المتحدة، ما أوجد فراغاً لم يُملأ بصورة متوازنة. أمّا دعم روسيا العسكري وتشكيلاتها الأمنية الخاصّة، فكان تأثيره محدوداً في مستوى إعادة بناء الدولة. تهميش مناطق واسعة، سواء على مستوى التنمية أو المشاركة السياسية، خلق فجوةً بين المركز والأطراف، استثمرتها الجماعات المسلّحة والانفصالية، وقدّمت نفسها بديلاً يوفّر حدّاً أدنى من الأمن والتنظيم، ما عزّز تغلغلها في المجتمعات المحلّية. وتعلّمنا دروس التاريخ والاجتماع السياسي أنّ الدولة (عملياً) تحتاج إلى حضور فعلي في حياة الناس، تأميناً للخدمات، وبناءً لعلاقات مستقرّة مع المجتمعات المحلّية، وضماناً لمشاركتها السياسية... في غياب هذه العناصر، لا تتعدّى الدولة إطاراً مركزياً محدوداً، فتنتقل وظائفها الأساسية إلى جهات أخرى. لذلك، يتجاوز الوضع في مالي وصفه بأنّه "تمرّد" أو "حرب على الإرهاب"، طالما تتداخل هناك عوامل السياسة بالهُويّة، والدولة بالمجتمع، والأمن بالاقتصاد، وتفشل أيَّ مقاربة أحادية لفهم الأزمة، علاوة على معالجتها.
ما يحدث في مالي صورة أوسع لتحوّلات منطقة الساحل، إذ تتقاطع هشاشة دول المنطقة مع تحوّلات النظام الدولي، ومع صعود فاعلين غير تقليديين.

أخبار ذات صلة.
الدوري السعودي: الفتح يحبط فرحة نيوم
الشرق الأوسط
منذ 25 دقيقة
الصين تدافع عن "ديم سام" في وجه الآلة
العربي الجديد
منذ 26 دقيقة