عربي
توُّج غسان زقطان، ويوسف عبد العزيز، وطاهر رياض، وزهير أبو شايب بجائزة الأركانة العالمية للشعر، مساء أمس السبت، في حفل أقيم في متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط. ويمنح الجائزة بيت الشعر في المغرب، وذهبت في دورتها الثامنة عشرة لـ"الشعرية الفلسطينية"، في دورة وصفتها الجهة المنظمة بأنها احتفاء بـ"تعدّد الأصوات واختلاف التجارب داخل المنجز الفلسطيني".
وقال رئيس بيت الشعر في المغرب مراد القادري لـ"العربي الجديد" إن الجائزة اكتسبت منذ انطلاقتها عام 2002 مكانة خاصة في المشهد الشعري العالمي، بفضل حرصها على أن تكون "جسراً للحوار الثقافي والإنساني بين الشعرية المغربية وشعريات العالم". وأضاف أن تتويج الشعرية الفلسطينية في دورتها الثامنة عشرة يمثّل "ولادة جديدة للجائزة، ويكشف عن تحوّل عميق في مسارها، يتجاوز كونه إجراءً استثنائياً، ليشكّل انعطافة دالّة في فلسفتها ومعاييرها الجمالية والثقافية". وأوضح أن منح الجائزة لأربعة شعراء فلسطينيين لا يقتصر على توسيع دائرة الاعتراف بهذه الشعرية التي حافظت على حضورها وتأثيرها عربياً وإنسانياً، بل يعكس "رؤية جديدة تقوم على التعدّد الخلّاق"، وتحتفي بتجاور الأصوات وتنوّع المرجعيات والحساسيات داخل التجربة الشعرية الفلسطينية، بما يعزّز القيمة الرمزية والاعتبارية للجائزة. وفي إطار اختيار الشعرية الفلسطينية، أشار القادري إلى أن "الدروس تأتي دائماً من فلسطين"، معتبراً أن العبقرية الفلسطينية قادرة على إعادة ترتيب بوصلة المعاني وفق منطق مغاير، مضيفاً أن تميّز الشعر الفلسطيني لا يعود فقط إلى ارتباطه بقضية وجودية تمسّ الإنسان والأرض والهوية، بل أيضاً إلى "قدرة شعرائه على الارتقاء بهذه القضية إلى أفق الاستعارة والحلم، ومنحها بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة". كما أشار إلى أن فلسطين لم تعد "موضوعاً سياسياً" فحسب، بل غدت قضية ثقافية وشعرية كونية، ورمزاً للحرية والعدالة، مضيفاً أنّ فلسطين "منحتنا حق الاحتفاء بالشعر في لحظة انتمائه للحلم، وانتسابه لهشاشة الإنسان، وهو يخوض تفاصيله اليومية بحثاً عن معنى لوجوده بين الجرح والجمال، بين الذاكرة واللغة".
وقد شهد حفل التتويج حضوراً رسمياً تمثّل في وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي محمد مهدي بنسعيد، الذي وصف في كلمته اختيار الشعرية الفلسطينية بأنه احتفاء بـ"صوت الحق والعدل حين يتجسّد في القصيدة، في مواجهة النسيان". فيما قالت رئيسة لجنة التحكيم، الشاعرة وفاء العمراني، إن الاختيار جاء بالإجماع، خصوصاً في توجّه التحكيم إلى تتويج شعرية، لا شاعر واحد، وقد ضمّت لجنة التحكيم عبد الرحمان طنكول، وأحمد جاريد، وجمال الدين بنحيون، ونور الدين الزويتني، وأمين عام الجائزة الشاعر حسن نجمي الذي لفت في كلمته في الحفل الذي حضره سفيرا فلسطين والأردن في المغرب وسفراء عرب آخرون إلى أنّ تتويج الشعرية الفلسطينية "اعتراف بجمالية شعرية جماعية استطاعت أن تحوّل المعاناة إلى لغة، والذاكرة إلى أفق، والهوية إلى سؤال مفتوح على الكوني والإنساني"، وأشار إلى أنَّ دورة هذا العام من الجائزة تأتي بالتزامن مع اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب من اليونسكو.
يمثّل الشعراء الأربعة مرحلة من تحوّلات الشعر الفلسطيني
ويمثّل الشعراء الأربعة مرحلة من تحوّلات الشعر الفلسطيني منذ الثمانينيات، وما بعدها، فهذه التجارب، على اختلاف نبراتها وأساليبها الشعرية، تشترك في الابتعاد عن البلاغة المباشرة، وفي إعادة بناء العلاقة بين القصيدة والذاكرة والمكان واليومي. ينتمي الشعراء الأربعة إلى جيل متقارب، إلا أنَّهم يمثلون مسارات شعرية متمايزة، وتكشف تجاربهم وجوهاً متعددة من القصيدة الفلسطينية المعاصرة، وقد أسهموا، إلى جانب شعراء مثل زكريا محمد، ووليد خازندار، ويوسف أبو لوز، وخالد درويش، وراسم المدهون، في تحرير القصيدة من وطأة الجماليات المهيمنة، وكتبوا قصائد أكثر هدوءاً وخفوتاً وحساسية لروح العصر، قصيدة يحتل فيها عالم الشاعر وتجربته وانشغاله بلغته ونبرته الخاصة مكانة أساسية.
ويعد غسان زقطان (1954) من أبرز الأصوات الفلسطينية المعاصرة، تتراجع في قصيدته النبرة السياسية المباشرة، لمصلحة كتابة تقوم على الذاكرة الشخصية، وعلى تصوير تفاصيل البيت والمنفى والمكان، من أعماله "بطولة الأشياء" و"سيرة الفحم" و"غرباء بمعاطف خفيفة"، وله أيضاً أعمال في الرواية والمسرح، وقد حظيت تجربته بحضور في لغات أخرى، ونال جائزة غريفين العالمية عام 2013. أما يوسف عبد العزيز (1956)، الذي بدأ كتابة الشعر في السبعينيات، فتقوم تجربته على الحلم والمشهد والأسطورة، وعلى استعادة الواقع الفلسطيني من دون خطابية مباشرة، وتحضر فلسطين في قصيدته بوصفها فضاءً للمشهد والذاكرة والخيال، لا بوصفها موضوعاً فقط، ومن دواوينه "نشيد الحجر" و"دفاتر الغيم" و"حيفا تطير إلى الشقيف".
أعاد الشعراء الأربعة بناء العلاقة بين الذاكرة والمكان واليومي
وفي تجربة طاهر رياض (1956)، يظهر الاشتغال على البناء الصوتي والوزن ضمن قصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة، لكنها تعتمد الاختزال والصورة والتأمل، وقد بدأ رياض نشر أعماله في الثمانينيات، ومن دواوينه "شهوة الريح" و"كتاب الغيب" و"الكأس الحرام". فيما تتأسّس قصيدة زهير أبو شايب (1958) على ثنائيات متكررة مثل العتمة والضوء، والحضور والغياب، والوجود والعدم، ومن أعماله "دفتر الأحوال والمقامات" و"ظل الليل" و"سيرة العشب".
وجائزة الأركانة العالمية للشعر يمنحها بيت الشعر في المغرب، بالتعاون مع مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير ووزارة الثقافة، تحتفي بالصداقة الشعرية وبالقيم الإنسانية التي يحملها الشعر، وذهبت في دوراتها السابقة إلى شعراء عرب وأجانب، منهم سعدي يوسف، وتشارلز سيميك، وإيف بونفوا، وأنطونيو غامونيدا، ومحمد بنطلحة، ومحمود درويش، ومحمد الأشعري، وبي داو، وفولكر براون، وقاسم حداد، إضافة إلى أسماء أخرى من تجارب شعرية ولغوية مختلفة.

أخبار ذات صلة.
الدوري السعودي: الفتح يحبط فرحة نيوم
الشرق الأوسط
منذ 19 دقيقة
الصين تدافع عن "ديم سام" في وجه الآلة
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة