عربي
أمّا وقد صارت معروفةً تفاصيلُ محاولة شابٍّ استهدافَه بالرصاص حفل عشاءٍ في "هيلتون واشنطن"، كان يشارك فيه الرئيس ترامب ونائبُه ووزراء ومسؤولون في إدارته، فإنّ ما ليس معروفاً ما كان سيقوله ترامب في الحفل، والسببُ الذي دفعَه إلى القدوم إلى هذا النشاط الذي تنظّمه سنوياً جمعية مراسلي البيت الأبيض، وكان قد واظب على مقاطعته. فوّت علينا كول توماس ألين (31 عاماً)، وهو "ذئبٌ منفرد" بتعبير رئيس الولايات المتحدة، أن نعرف. ... وبعيداً عمّا هو معلومٌ عن الثرثرات المُضجرة التي يدأب هذا الرئيس في الاسترسال فيها، وبعيداً عن العداء الذي يقيم فيه تجاه الصحافة، إذ يعتقد أن على أصحاب هذه المهنة أن ينقطعوا للثناء على مُنجزاته ونجاحاته، وإلّا هم كاذبون وفاقدو المصداقية، كما رمى الصحافيين في "نيويورك تايمز"، أياماً فقط قبل الحفل المستهدف، ... بعيداً عن هذا الأمر وذاك، كان سيصير مثيراً، وربما على كثيرٍ من الفكاهة، ما كنّا سنسمعُه من ترامب الذي اعترض نحو 250 صحافياً، ومجموعاتٌ تدافع عن حرّية الصحافة، على حضوره هذا الحفل، في رسالةٍ مفتوحة، فوجود هذا الرجل فيه، بحسبهم، يمثّل "تناقضاً صارخاً مع هدفه الأساس"، الاحتفاء بحرّية الصحافة. وقد صحّ ما قالوا لألف سببٍ وسبب، منها أن منظّمي الحفل تخلّوا عن واحدٍ من أهم تقاليده المعمول بها منذ أولى مرّاته قبل مائة عام، دعوة كوميديٍّ ليسخر من الرئيس وسياساته. ولا يحتمل "صاحبُنا" أمراً كهذا، بل يعطي نفسه الحقّ في السخرية من الآخرين وشتمهم، وحدثَ أخيراً أنه نعت كاتب مقالٍ في "وول ستريت جورنال" بأنه أحمق. وفي أرشيفه أنه نعت، قبل ستّ سنوات، مذيعاً في "أم أس أن بي سي" بأنه غبي، وعبّر عن غبطته برؤية الشرطة تستهدف هذا الصحافي في أثناء احتجاجاتٍ كأنه "كيس ذُرة".
ليست منسيةً القيود التي فرضها ترامب على عمل مراسلي البيت الأبيض، ما جعل قدراتهم على تغطية مناسباتٍ وأخبار مهمّةٍ تتعطّل، على ما قالت "مراسلون بلا حدود". وليس جنوحاً في الخيال، أو من السخرية العابثة، القول إن ترامب يؤدّي وظيفة المراسل الإخباري يومياً، فيُعفي الصحافيين من مشقّة تتّبع أخباره. وفيما كان من الطبيعيّ أن يذيع متحدّثٌ باسم البيت الأبيض، أو موظف أمنٍ رفيع، تفاصيل حدث الفندق الذي حاول مطوّر ألعاب فيديو، أو "قاتلٌ محتمل" في وصف ترامب له، اقتحام الحفل، تولّى الأخير بنفسه، في تدويناتٍ على منصّته، إشهار كل شيء، وانفرد (بتعبيرنا نحن أهل الإعلام) بنشر أولى صور ذلك الشاب، ثم أفضى بتصريحات مفصلة. كما لو أن الأمر يماثل خطف مادورو من غرفة نومه في كاراكاس، فيما لا يستحقّ، غير أنه مولعٌ باستثمار واقعةٍ مثيرةٍ كهذه، فقد قال إنه يعتقد إن المسلّح كان يستهدفه، وهذا ما يلزم أن يفيد به تحقيقٌ تجريه جهة مختصّة.
كأن ترامب الذي تُواظب صحف أميركية على تعداد أكاذيبه المتوالية (وثّقت "واشنطن بوست" 30573 كذبة وادّعاء باطل ومضلّل له في رئاسته الأولى) يريد أن يزاول الصحافة نفسها، ويريح أهلها من أداء مهنتهم، وهو يبثّ بغزارةٍ تصريحاتٍ في كل شأن، يخلط فيها بين ما يعرف وما لا يعرف، فيشوّش أكثر مما يوضح، ويحدُث أن يناقض نفسه في اللحظة نفسها. ولعل صديقنا مروان قبلان مصيبٌ في دعوته لنا، نحن أهل التعاليق، إلى أن لا نأخذ هذا الرجل على محمل الجدّ، إذ هي خمس ساعاتٍ بين إعلانه نيّته عدم تمديد الهدنة مع إيران وإعلانه تمديدها. وليس في الوُسع أن نتعامل مع هذا الرجل بالإهمال أو التناسي، فهو رئيس الولايات المتحدة، وجملٌ معدوداتٌ منه قد تهبط بأسعار سلع حيويةٍ أو ترفعها.
كان الحفل الذي أوقفه حامل الماجستير في الحاسوب، توماس ألين، سيشهد واحدةً من هجمات ترامب المنهجية (في وصف منظّمات إعلامية) على الصحافة وناسها. ... تُرى، ما هي بواعث هذا الشاب لتسلّحه وإطلاقه الرصاص في فندقٍ يعرف أنه مطوّق برجال الحراسة والأمن؟ سيكون من فائق الإثارة لو عرفنا فيما بعد إنه كان ينوي أمراً أخر غير قتل ترامب. ولمّا ذكّرت الواقعة برصاصاتٍ ستٍّ أمام الفندق نفسه في مارس/ آذار 1981، فإن الذي أطلقها لتصيب الرئيس ريغان هناك أفاد العالم بأنه إنما أراد لفت أنظار الممثلة جودي فوستر إليه...
مرّة أخرى، ما الذي أراده، بالضبط، ذاك الشاب، قتلَ ترامب أم أمراً آخر؟

أخبار ذات صلة.
وفاة 4 أشخاص غرقاً في حمص وحلب
العربي الجديد
منذ 12 دقيقة