عربي
في قطاع غزة، لم تعد الكارثة الصحية تُقاس بالمستشفيات المتوقفة ونقص الدواء وحدهما، بل أيضاً بانقطاع التعليم الطبي وتآكل التدريب السريري واستنزاف الكوادر. ومن هنا، طرح مؤتمر طبي دولي في لندن سؤالاً يتجاوز إنقاذ المرضى اليوم إلى: من سيعالجهم غداً؟
انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، يومي 24 و25 إبريل/ نيسان 2026، أعمال المؤتمر الدولي حول النهوض بالتعليم الطبي وتقديم الرعاية الصحية في فلسطين، بتنظيم من أكاديمية تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا وبمشاركة أطباء وأكاديميين وخبراء في السياسات الصحية والقانون الدولي من أنحاء مختلفة من العالم. سعى المؤتمر، منذ يومه الأول، لنقل النقاش حول غزة من إطار الاستجابة الإنسانية العاجلة إلى سؤال أوسع: كيف يمكن حماية المنظومة التي تُنتج الأطباء والممرضين والعاملين الصحيين، في وقت تتعرض فيه الرعاية الصحية والتعليم الطبي لضغوط غير مسبوقة؟
وجاء انعقاد المؤتمر في ظل التحديات المتفاقمة التي يواجهها القطاع الصحي في غزة، حيث ركّز اليوم الأول على "الحاجة الملحّة لدعم التعليم الصحي والأخلاقيات الطبية في غزة". ولم تُطرح هذه الحاجة بوصفها ملفاً أكاديمياً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، بل جزءاً مباشراً من معركة بقاء النظام الصحي نفسه. فكلية الطب والمختبر والمستشفى التعليمي وبرامج التدريب السريري، لم تعد عناصر منفصلة عن الاستجابة الصحية، بل أصبحت من صميم القدرة على الاستمرار وإعادة البناء.
وافتُتحت أعمال المؤتمر بكلمة السفير الفلسطيني في المملكة المتحدة، حسام زملط، شدد فيها على الأهمية الحيوية لتعزيز التضامن الدولي مع القطاع الصحي في غزة، من خلال الاستثمار في التعليم الطبي وتوسيع نطاق الشراكات الأكاديمية والمؤسسية على المستوى الدولي. وحذّر زملط من أن أكثر من 18,500 مريض في حالات حرجة ينتظرون حالياً تقييماً عاجلاً للحصول على علاج منقذ للحياة أو علاج قد يغيّر مسارها، بينهم نحو 4 آلاف طفل.
وفي تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، قال الدكتور رياض مشارقة، ممثل تجمع الأطباء الفلسطينيين في بريطانيا، إن ما يشهده القطاع الصحي في غزة "يتجاوز كونه أزمة طارئة، ليعكس استهدافاً ممنهجاً لمنظومة الرعاية الصحية والتعليم الطبي". وأضاف أن الاستثمار في التعليم الطبي لم يعد خياراً داعماً فحسب، بل "ضرورة استراتيجية لضمان بقاء النظام الصحي واستمراريته في ظل النزف المستمر في الكوادر والإمكانات".
وربط مشارقة بين حماية التعليم الطبي والحماية القانونية للطواقم والمرافق الصحية، مشيراً إلى أن إعلان بروكسل الصادر عن تجمّع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا يمثل "خطوة متقدمة نحو تأطير الحماية القانونية للمرافق الصحية والطواقم الطبية". ودعا إلى ترجمة هذا الإعلان إلى التزامات عملية من المؤسسات الدولية والحكومات، بما يضمن حماية العاملين في القطاع الصحي ومحاسبة منتهكي القانون الدولي.
وأشار مشارقة إلى أن المشاركة الواسعة في المؤتمر حضورياً وعبر الاتصال المرئي، التي ضمّت مئات الأطباء والأكاديميين، بينهم عدد كبير من داخل غزة، إلى جانب مشاركين من أكثر من عشر دول غربية، تعكس حجم المسؤولية الجماعية تجاه القطاع. واعتبر أن دعم غزة لم يعد شأناً محلياً، بل قضية إنسانية وأخلاقية عالمية تتطلب تحركاً جدياً ومستداماً.
وحملت مداخلات الأطباء والأكاديميين من داخل غزة ثقلاً خاصاً في المؤتمر، لأنها نقلت النقاش من العموميات إلى واقع المؤسسات التعليمية والطبية تحت الضغط. فقد قدّم كل من الدكتور أنور الشيخ خليل والدكتور محمد زغبور، من عمداء كليات الطب في جامعات غزة، عرضاً مباشراً للتحديات الكبيرة التي تواجه المؤسسات الأكاديمية والطلبة في ظل الظروف الراهنة. وتناول المشاركون واقع تعليم يحاول الاستمرار وسط النزوح وتضرر البنية التدريبية وصعوبة الوصول إلى المستشفيات وتراجع الإمكانات الضرورية لاكتساب الخبرة العملية.
كذلك أسهم كل من البروفيسور عمر ميلاد والدكتورة نادين أبو شعبان ومازن أبو قمر، في تسليط الضوء على صمود المؤسسات التعليمية المحلية والحاجة إلى دعم أكاديمي دولي منظم ومستدام.
ولم يكتف المؤتمر بتوصيف الخسائر، بل طرح مسارات للتعامل معها، من بينها مبادرة التحالف الدولي لدعم كليات الطب في غزة (AIMS-G)، الهادفة إلى تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات الأكاديمية حول العالم.
وأكدت مداخلات شارك فيها كل من الدكتورة ريجينا بيسما من جامعة أوتريخت والدكتور شامق سعيد من جامعة ليستر والدكتورة فيفيانا مارزايولي من كلية ترينيتي في دبلن والدكتور جهاد العجلوني، ممثل اللجنة الأردنية لدعم الرعاية الصحية في غزة، الدور الحيوي للشراكات الدولية في ضمان استمرارية التعليم الطبي ودعم الكوادر الأكاديمية وتعزيز تبادل المعرفة والخبرات.
وتداخل البعد الأكاديمي مع نقاش قانوني وأخلاقي أوسع، إذ شكّل محور الأخلاقيات الطبية والقانون الدولي في مناطق النزاع أحد أبرز محاور المؤتمر. وناقش خبراء، من بينهم البروفيسور نيك ماينارد من مستشفيات جامعة أكسفورد والبروفيسور نيف غوردون من جامعة كوين ماري في لندن وطيب علي، مدير المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين، والبروفيسور مادس غيلبرت، مسألة الحماية القانونية للعاملين في القطاع الصحي، إضافة إلى الالتزامات الأخلاقية المترتبة على المجتمع الدولي.
ولم يكن هذا النقاش القانوني منفصلاً عن الواقع اليومي في غزة. فحماية المرافق الصحية والطواقم الطبية لا تعني، في هذا السياق، حماية الخدمة الطبية الراهنة فقط، بل حماية البيئة التي تسمح بتدريب أطباء جدد واستمرار المستشفيات التعليمية. إذ يصعب الحديث عن مستقبل للتعليم الطبي في مكان يواجه فيه العاملون الصحيون مخاطر مباشرة، وتبقى فيه المساءلة شرطاً أساسياً لأي حماية جدية.
وتضمن المؤتمر أيضاً كلمة رئيسية ألقاها نورمان فينكلستين، تناول فيها قضايا أوسع تتعلق بالمساءلة ودور المناصرة الدولية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يتحول استهداف المنظومات الصحية والتعليمية في مناطق النزاع إلى نمط متكرر، لا إلى أثر جانبي للحروب.
واختُتمت أعمال اليوم الأول بدعوة موحدة إلى تعزيز الانخراط الدولي المستدام في دعم التعليم الصحي في غزة، وحماية مبدأ الحياد الطبي، وتطوير أطر التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والصحية على مستوى العالم. وتجاوزت الدعوة منطق الاستجابة السريعة، إلى رؤية أوسع تربط الإغاثة بإعادة بناء القدرات المحلية، وتضع التعليم الطبي في قلب أي خطة جدية لإنقاذ الرعاية الصحية الفلسطينية.
ويُعد مؤتمر النهوض بالتعليم الطبي وتقديم الرعاية الصحية في فلسطين منصة دولية للحوار والعمل المشترك، ويعكس التزاماً متزايداً من المجتمع الأكاديمي والطبي العالمي بدعم الأنظمة الصحية والتعليمية في المناطق المتأثرة بالنزاعات. غير أن أهمية المؤتمر، في الحالة الفلسطينية، تتجاوز حدود الحوار الأكاديمي؛ إذ يطرح التعليم الطبي بوصفه جزءاً من حق الفلسطينيين في العلاج والبقاء، لا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب.

أخبار ذات صلة.
النرجسيون والفشل... لماذا يصعب عليهم هضمه؟
الشرق الأوسط
منذ 21 دقيقة
"هرمز" المسروق
العربي الجديد
منذ 28 دقيقة