"هرمز" المسروق
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا حدث ولا حديث طاغياً، منذ شهر على الأقل، يعلو على مضيق هرمز. ولا ذريعة تضاهي ما ناله هذا المضيق، مبرراً للحرب أو السلام، أو مسوّغاً لرفع الأسعار والاستغلال، بل حتى لإفلاس شركات وإفقار دول، أو على العكس، لتحقيق مكاسب، كما الحال في ما يخص الولايات المتحدة التي تجني أرباحاً من النفط والسلاح، وتمهّد لعصر قرصنة جديد. فهل لهذا المضيق كل تلك الأهمية ليُوصف بشريان قلب العالم؟ هل يعود ذلك إلى عمقه وموقعه ومرور نحو 20% من استهلاك النفط العالمي عبره يومياً، إضافة إلى معظم صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج، التي تغذي أوروبا وآسيا، فضلاً عن المعادن والأسمدة والمنتجات الزراعية؟ أم أن هناك استكانة للجغرافيا واستسلاماً لهذا المضيق، نتيجة عدم إيجاد طرق وممرات بديلة؟ بل هل ثمة تهويل لدوره، حوّله، بفعل تفرده، إلى حجر الزاوية للأمن الغذائي واللوجستي لدول الخليج، بعد حصره بالمنفذ شبه الوحيد لتصدير ثرواتها الباطنية وصناعاتها التحويلية؟ هذا سؤال سنحاول الإجابة عنه لاحقاً. لقد أدى إغلاق مضيق هرمز، إلى تغيّر ملامح الوفرة والإنتاج والأسعار في العالم، وألبس الأسواق اللون الأحمر، وأذل العملات الرقمية، وبدّل مفاهيم الملاذات الآمنة، بل قسّم العالم إلى معسكرين ومهّد ربما لحرب عالمية؟ ورغم أن المضيق يخضع مثل غيره من المضايق لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 والتي بدأ العمل بها عام 1994، التي تفترض وجود آليات قانونية واضحة تحدد حقوق كل دولة، نجحت إيران التي لم تصادق على الاتفاقية، عبر الإعلام والسياسة والقوة العسكرية، وسياسات دونالد ترامب التصعيدية، في ترسيخ صورة ذهنية لدى العالم بأنها الطرف المسيطر الوحيد على المضيق، وصاحبة القرار في من يمر ومتى يمر، وما الذي يدفعه مقابل ذلك، من دون الالتفات إلى دور سلطنة عُمان وحقوقها، رغم أن الممر الملاحي العميق الذي تسلكه الناقلات الكبيرة يقع، على الأرجح، ضمن المياه الإقليمية العُمانية. كما أن القانون الدولي، عبر مبدأ "المرور البريء" في المياه الإقليمية في المضيق، يمنح لعُمان وإيران حق تنظيم المرور، ويمنعهما في الوقت نفسه من عرقلة الملاحة أو إغلاق المضيق، ما دامت الأعمال العدائية غير موجودة. عُمان من جانبها لم تلوّح يوماً بإغلاق المضيق، ولم تنخرط في استعراضات القوة أو التهديد، ولضمان انسيابية الملاحة، تعمل عُمان عبر آلية التنسيق والحوار، كما أوردت وكالة الأنباء العمانية بشأن اجتماعات ثنائية لبحث سبل إدارة العبور في ظل التوترات الإقليمية. ومع ترسيخ ما يمكن وصفه بـ"البلطجة" الأميركية والإيرانية، باتت ملكية إيران للمضيق شبه أمر واقع، سياسياً وإعلامياً وتفاوضياً، وتحول "هرمز" إلى أداة ردع وورقة ضغط في الملفات الدولية. لكن، بعد كل هذا، هل من المقبول أن يبقى الاقتصاد العالمي رهينة هذا الممر؟ وهل من الضروري أن يدخل في "غرف الإنعاش" كلما تصاعد التوتر؟. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى حلول، أولها إبراز دور سلطنة عُمان شريكاً أساسياً له حقوق سيادية لا تقل عن إيران، وربما تفوقها من حيث السيطرة الفعلية على الممر الملاحي. أو نقل مسؤولية أمن المضيق وحرية الملاحة إلى تحالفات دولية، تضمن حق المرور لجميع الدول، بعيداً عن التسييس والاستغلال. أو، على الأقل، إبرام اتفاقيات دولية ملزمة تمنع إغلاق المضيق أو استهداف السفن، سواء في الحرب أو السلم، مع فرض عقوبات على أي جهة تعرقل الملاحة. ورغم أن هذه الحلول تبدو أقرب إلى التمنيات في ظل موازين القوى الحالية، يجب أن يشكل ما جرى درساً لدول الخليج، ليس فقط لتعزيز قدراتها الدفاعية، بل للبحث الجدي عن بدائل استراتيجية. وقد بدأت بعض هذه الخطوات بالفعل، بتفعيل خط "شرق-غرب" السعودي لنقل النفط إلى البحر الأحمر، وخط "حبشان–الفجيرة" لنقل النفط الإماراتي من دون المرور بمضيق هرمز، وهي محاولات أولية لتجاوز الاعتماد الكامل على هرمز. كما تبرز مشاريع أوسع، مثل "طريق التنمية" العراقي، الذي يسعى لربط الخليج بأوروبا عبر العراق وسورية وتركيا، ونقل الطاقة براً وسككياً إلى موانئ مفتوحة، بعيداً عن نقاط الاختناق. في النهاية، لا ينبغي أن تبقى مقدرات المنطقة رهينة ممر واحد، يُستخدم ورقةَ ضغط بيد طهران تارة وواشنطن تارات، بل يجب إعادة رسم خرائط النقل والتجارة بما يحقق الاستقرار ويحدّ من الابتزاز الجيوسياسي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية