"مرتفعات ويذريغ".. جماليات بصرية وشخصيات مأزومة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
رغم مرور فترة زمنية طويلة على صدور "مرتفعات وذرينغ" (1847)، للإنكليزية إيميلي برونتي، ومرور 87 سنة على أول اقتباس سينمائي لها (1939)، أنجزه الأميركي ويليام وايلر، وما تبعه من اقتباسات أخرى في سنوات مختلفة، لا تزال هذه الرواية تُلهِم المخرجين في فترات زمنية متنوّعة، ما يشير إلى أهميتها الفكرية والاجتماعية والجمالية، ويُفسّر في الوقت نفسه رغبة المتلقي في معرفة الكثير عنها سينمائياً، من منطلق الوفاء لأحداثها، أو مع إسقاط بعض أحداثها وشخصياتها، والتصرّف بجوانب أخرى مجهولة أو غير مطروقة، مع استعمال فضاءات ومعالم جديدة، ليتم إسقاط حلقة التتابع والمطابقة مع النسخ الأخرى. بشجاعة نادرة، عادت المخرجة والممثلة البريطانية الشابة إميرالد فينيل الى هذا العمل الأدبي الكلاسيكي، محافظة فيه، هي أيضاً، على العنوان نفسه (2026)، وغير آبهة بالمنجزين السينمائي والأدبي، والتصوّر الشامل في أذهان القرّاء والمُشاهدين حولهما، فنسجت نسختها البصرية الجديدة، انطلاقاً من رؤى حديثة، ومنطلقات مختلفة عن المنجز. الاختلاف ظهر في استبعاد ما اشتغل عليها غيرها، موظّفة مشهداً كبيراً ذا جموع بشرية، رغم أنه وحيد، لكنه مُهمّ وفاصل واستعراضي. هذا أعطى للفيلم رهبته وهيبته البصرية والفلسفية، وجعلته المخرجة مشهداً افتتاحياً، تمّ تمثيله بساحة القرية، مع شنق أحد الآثمين أمام جمع غفير من الفضوليين. في هذا المشهد العبثي، عكست فينيل ازدواجية المعايير في ذلك المجتمع/الزمن، وتعدّد أمراض ناسهما وساديتهم، وكيفية تعاملهم مع الموت/العقوبة، ناقلة عبره رسالة قوية إلى المتلقي، لفهم واستيعاب تغيّر شخصيات الفيلم/الرواية. فالأمراض التي أصابتهم، والسلوكيات التي اتّصفوا بها، والمدارك التي كانوا عليها، انعكاساتٌ لتلك الحقبة الزمنية السوداء عليهم، وبالتالي هم جزء من الكل المريض. كلّ هذه المعطيات المعرفية والجمالية قدّمتها فينيل في مشهد افتتاحي صاخب وضاجّ، على عكس باقي المشاهد الهادئة والخالية من المظاهر، خاصة تلك التي يمكن أن تدخل المُشاهد في متاهة، فجعلته يركّز على السياقات التي تفرزها الدرامية والرومانسية التي تنتجها تلك الشخصيات المختلفة والمميّزة، وحتى المريضة، بصنع أحداثها ومصائرها وعبثيتها. "مرتفعات وذرينغ" يروي القصة المأسوية والعاطفية لهثكليف (جايكوب إلوردي)، اليتيم الذي استقبلته عائلة إيرنشو، مع إظهار إفرازات علاقته القوية بكاثرين (مارغو روبي)، وتداعياتها على الجميع. عندما يتقدّمان معاً في العمر، على تلك المرتفعات، تتعمّق علاقتهما، وتتحوّل إلى حب قوي لكنه مدمّر. مع ذلك، يدفع الفخر والطبقة الاجتماعية كاثرين إلى الزواج من الثري إدغار لينتون (شازاد لطيف) بدلاً من هثكليف، الذي يرحل بعيداً، مُحطّم القلب، ثم يعود ثرياً بعد سنوات، مليئاً بمشاعر الانتقام والسخط والغضب، وساعياً إلى الانتقام ممن ظلموه. رغم كل شيء، يُمكن ملاحظة الرابطة العاطفية بينه وبين كاثرين بسهولة. مع ذلك، يصبح حبهما مصدر معاناة، ما يؤثر على حياتهما، كما على الجيل المقبل، لأنّ المآسي والاحزان تورَّث، كما تورَّث الأموال. لا تنتهي الأحداث هنا، بل تتشعّب أكثر، خاصةً مع دخول إيزابيلا (أليسون أوليفر) في خضم تلك المعطيات، ما ينتج عنها ميلودراما رهيبة. ركّزت إميرالد فينيل، بشكل مكثّف، على العنصر البصري، الذي مثّلته المَشاهد البانورامية المبهرة (مدير التصوير لينوس ساندغرين) التي يتخلّلها الضباب، ما يوحي بالرهبة والترقب وانكسار الزمن وانقطاعه. شُحنت عواطف الفَقْد والحب الجارف والانتقام والقسوة بموسيقى تصويرية رهيبة (أنتوني ويليس)، ساهمت بشكل محوري في توجيه المتلقي، خدمة لدرامية الفيلم ومنطلقاته النفسية، وفي الوقت نفسه وُضع في سياق التلقي الصحيح، الذي رسمته فينيل وفريقها. كما خلقت عزلة، صنعت بُعدها التأملي صورة القصر البالي، وصوت احتكاك الخشب القديم، ووقع الخطوات على العشب، والسير بين الكتل الصخرية وغيرها. معطيات محورية صنعت مساراً قوياً بين الفيلم والرواية، فالأخيرة نسجتها إيميلي برونتي قبل زمن بعيد، ولم تغفل فيها البُعد البصري الوصفي، وتأثيره في شخصياتها. لذا، عنونت الرواية بـ"مرتفعات وذرينغ"، بمعنى مرتفعات الرياح العاتية، بحسب لهجة منطقة يوركشاير (إنكلترا)، الفضاء الأصلي الذي وقعت فيه الأحداث. كما حافظت فينيل على المعطيات النفسية والبصرية للعمل. "مرتفعات ويذرينغ" فيلم سينمائي مهم، قدّم فهماً عميقاً للنفس البشرية، وما يمكن أنْ تُقدِم عليه، بوضع معالم عدّة تقود مباشرة إلى الفهم والتعليل. وهذا نتيجة سلوكات فردية وجماعية يُنتجها الزمن بفعل عوامل كثيرة. لذا، الشخص ابن زمنه ومجتمعه، يتلوّن باللون الذي يكونا عليه. والفيلم ثريٌّ بتلك المسبّبات، التي وضعها في سياقها الصحيح، ليتمّ تلقّيها وفقاً للسياقين الزمني والجمالي/البصري. هذه عناصر وظّفتها إميرالد فينيل بطريقة جيدة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية