عربي
تعبّر الدولة الحديثة عن نفسها بدقّة: دولة قانون، دولة ديمقراطية، دولة علمانية... وهي بذلك تستند إلى مرجعيات دستورية واضحة. عربياً، ما زلنا من دون اتفاق حول شكل الدولة التي نريد ومضمونها. ومنذ ثورات الربيع العربي، فرض مصطلح الدولة المدنية نفسه بقوة في النقاشات الفكرية السياسية التي ارتبطت بعملية الإصلاح السياسي، فاستخدمته قوى ليبرالية تدعو إلى دولة القانون والمواطنة، وإسلاميون تنصّلوا من "الدولة الدينية" بمعناها الكهنوتي، فكانت اللاحقة "المدنية "بديلاً من "الديمقراطية"، وآخرون استخدموه بديلاً من الدولة العلمانية تجنّباً للحساسية التي تثيرها العلمانية في مجتمعات لم تبلغ درجات كافية من العلمنة. بل استخدمت المصطلحَ نظم عربية نزلت الجموع إلى الشوارع، لتجميل خطابها السياسي. لكن المصطلح المذكور ما انفكّ يحيلنا على تلك الفجوة بين اللغة المستخدمة في النقاش السياسي والمفاهيم الدقيقة التي يمكن البناء عليها عملياً.
لم يستقرّ المصطلح عند معنى واضح، وبخلاف "الدولة العلمانية" و"دولة القانون" و"الدولة الديمقراطية" لم تكن "الدولة المدنية" مصطلحاً مركزياً ودقيقاً في الحقل الأكاديمي، ولم تمتلك تعريفاً قانونياً مستقرّاً، ليبقى فضفاضاً غير قابل للقياس أو التحليل. بمعنى آخر، لم يتحوّل المصطلح (الأداة اللغوية) إلى مفهوم (مضمون فكري)، ولم يوفّر اتفاقاً على جوهر اللعبة السياسية. وحتى حين يربح المصطلح النقاش في مرحلة ما، فإنّه لا يؤسّس إصلاحاً حقيقياً، إذ لا تُبنى الدول في المناطق الرمادية. فمثلاً، حين استخدم المصطلح بديلاً من مفهوم الدولة العلمانية، التفّ على الأسئلة الصعبة التي تتطلّب المواجهة وتحديد الإجابات، فتعذّر فتح نقاش حقيقي حول علاقة الدين بالدولة، وحول حضور الديني في المجال العام، فبدت "الدولة المدنية" إعلان نيّات أكثر من أن تكون وصفاً لنظام سياسي منشود. وإن كانت "الدولة المدنية" تتضمّن فصل السلطات وسيادة القوانين والمواطنة بعيداً من احتكار السلطة، فهذه مبادئ كان ينبغي صياغتها بكلّ وضوح دستوري.
ومع أنّ استخدام مصطلح "الدولة المدنية" في حدّ ذاته ليس مشكلةً، إلا أنّه يصير إشكاليةً من دون تحديد مضمونه. فإذا كانت المصطلحات نقطة البداية، فإنّها لا تؤسّس المشروع السياسي الذي يحتاج إلى نقلة نوعية من الكلمات إلى المعاني الدقيقة، ومن الشعارات الفضفاضة إلى القواعد، إذ تحتاج الدولة إلى مساحة مرسومة بحدود واضحة، يعرف فيها كلٌّ طرف ما له وما عليه، ليكون الاختلاف ممكناً من دون أن يتحوّل إلى صراع مفتوح. وليست الدولة شعاراً، هي في معناها البسيط مجموعة قواعد تنظّم العلاقة بين السلطة والمجتمع بكلّ وضوح ممكن، لأنّ أيّ غموض يفتح الباب على تفسيرات متناقضة، يصبح معها القانون نفسه مجالاً للصراع بدل أن يكون أداة لتنظيمه. فقد يتحقق الاجماع في مستوى القيم العامة، مثل الحرية والعدالة والمساواة...، حين تبرز بوصفها أهدافاً وشعارات، أمّا في مستوى الآليات، بمعنى تجسيد تلك القيم في قوانين ومؤسّسات، فإنّ الخلاف يتفاقم، ما يستوجب الذهاب إلى نقاش مباشر لا الاختباء خلف العناوين العامة.
مع "الدولة المدنية" لم يتوافر وضوح مفاهيمي كافٍ، ولم يكن هناك نقاش عميق حول حدود السلطة وموقع الفرد منها، وبقيت "الدولة المدنية" أقرب إلى الشعار منها إلى مشروع سياسي، فأجّلت الإجابات عن أسئلة حاسمة: من يحقّ له التشريع؟ ما حدود تدخّل الدين في القانون؟ كيف يمكن صيانة حقوق الفرد حين تتعارض مع ما هو سائد من تصوّرات دينية أو اجتماعية؟ وهي أسئلة لا يكفي للإجابة عنها مصطلح فضفاض، بل تبرز الحاجة إلى التعريفات الدقيقة التي لا تحتمل التأويل. فعلى الرغم من وضوح مطالب الجماهير المنتفِضة، ممثلةً في العدالة وحماية القانون والكرامة، لم تتحقق تلك المطالب في فضاء مستقلّ يستند إلى نصوص دستورية واضحة، وفشلت القوى السياسية الراديكالية في كتابة دستور "الدولة المدنية، في مرحلة الثورة، ولم يكن مستغرباً حالة الاستقطاب الحادّة (في غير بلد) التي عصفت بالمجتمع في غياب التوافق على دستور الدولة ما بعد سقوط النظام. وبذلك تكون "الدولة المدنية" قد أجّلت الحسم لمصلحة انفجارات لاحقة.

أخبار ذات صلة.
أسطورة التفاهم
العربي الجديد
منذ 12 دقيقة