بوعلّام صنصال مجدّداًَ... السقوط في فرنسا
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
قرّر رجل الأعمال فينسان بولوري، مالك دار غراسيه للنشر في باريس، إعفاء أوليفييه نورا من منصبه مديراً للدار منذ 26 عاماً، لتتوالى التعليقات الإعلامية التي تفيد بأنّ القرار جاء على خلفية رفض نورا انتقال الروائي الجزائري بوعلّام صنصال إليها، ونيّته نشر رواية جديدة عبر الدار. وصنصال هذا مصطفٌّ منذ زمن مع اليمين المتطرّف في فرنسا، وضدّ أمّته وبلاده في قضايا كثيرة: فلسطين، والإسلام، و ذاكرة الجزائر التاريخية... وها هو الآن، بعد خروجه من السجن بعفو رئاسي جزائري، ورحيله (أو ترحيله) إلى ألمانيا ومنها إلى فرنسا، يصبح حديث الساعة هناك، ليس لعمل بطولي قام به أو رواية منقطعة النظير كتبها، بل لنقضه عقده مع دار نشر غاليمار والانتقال إلى غراسيه المملوكة لبولوري اليميني، في وضع لم يُعتبر فقط أدبياً، بل سياسياً وأخلاقياً، فقرار صنصال مغادرة دار نشر رافقته أزيد من عقديَن لم يكن (وفقاً للإعلام الفرنسي) من دون تفكير مركنتيلي (مالي)، كان من بين الأسباب الحقيقية لهذا الطلاق الأدبي بين كاتب ودار نشر. وأعادت وسائل إعلام فرنسية التذكير بأصول الرجل (صنصال) العربية، وعلى الرغم من أنّه حصل على الجنسية الفرنسية، ووجد من يدافع عنه في فرنسا مسجوناً قبل أشهر في الجزائر، إلا أنّه لم يرقَ إلى أن يكون فرنسياً خالصاً. وبدأت القصّة بمجرّد وصول صنصال إلى فرنسا، حيث احتفى به الجميع، وبدا في هذا أنّ فرنسا تكيد للجزائر، وتريد استخداماً أكبر لمواطنها المجنّس حديثاً في إثارة التوتّر بين البلدَين. ومن أبرز صور ذلك الاحتفاء أنّه دُعي إلى قصر الإليزيه لمقابلة الرئيس إيمانويل ماكرون، ثم زاره بعض الوزراء، ومنهم وزير الداخلية الأسبق روتايو الذي يثير الجدل بسبب دوره المحوري في توتّرات الجزائر وفرنسا. ولتكون قمّة ذلك الاحتفاء انتخاب صنصال عضواً في الأكاديمية الفرنسية، المؤسّسة الثقافية الفرنسية العريقة، مضافاً إلى ذلك كلّه تلبيته دعوات الإعلام واستوديوهات التلفزات لسماع قصّة سجنه في الجزائر. ركّز الإعلام الفرنسي الجادّ على انتقاد صنصال وانقلابه على دار نشر وفيّة له وبعد إعلانه الطلاق من دار النشر غاليمار التي رافقته عقدَين في نشر أعماله، واتجاهه نحو إكمال (وتأكيد) الانقلاب السياسي نحو اليمين المتطرّف بتوقيع عقد مع دار نشر غراسيه التي يملكها يميني متطرّف، وصاحب قناة CNews الإخبارية، التي لا تكاد تتحدّث في برامجها كلّها ونشرات أخبارها إلّا عن ملفّات الجزائر والهجرة والإسلام، مع تضخيم كلّ ما من شأنه إيهام مشاهدي القناة الإخبارية بأنّ مشكلات فرنسا حصراً نتيجة تلك الملفّات. ولم يكن صنصال يظنّ لحظة أنّ قراره تغيير دار نشر وتوقيعه عقداً مع أخرى، وبتلك الصلة السياسية مع بولوري، سيجرّ عليه حملةً تعيده إلى حقيقته، وتقزّم كلّ ما كان يعتقد بأنّه عظم بسببه، أي وقوفه ضدّ بلاده واحتفاء فرنسا به لاعتبارات الضغط على الجزائر وإدامة حالة التوتّر للحصول على مصالح محدّدة، لتنطلق تلك الحملة التي قادتها تعليقات من استوديوهات التلفزات، من ناحية، وصحيفتان كبيرتان: ليبراسيون المحسوبة على اليسار ولوموند الصحيفة الجادّة الوحيدة في فرنسا، من ناحية أخرى، إذ عمدت الأولى إلى تخصيص غلاف صفحتها الأولى للحديث عن صنصال بلغة تنتقد شخصه ومواقفه السياسية، وليس التعاقدية فقط مع دار نشر جديدة، في حين خصّصت "لوموند" ملحقها الثقافي الأسبوعي (يهتم بعالم النشر والإصدارات الجديدة) للحديث عن ظاهرة صنصال ومسبّبات انقلابه الثقافي، والسياسي أيضاً، بارتفاع أسهم صلاته مع اليمين المتطرّف. تحدّثت تلك التعليقات والصحيفتان بإسهاب عن قصّة انتقال صنصال من ناشر وفيٍّ له (غاليمار) إلى ناشر ذي طبيعة سياسية (غراسيه)، وربطت بين طبيعة المدافعين بشراسة عن ملفّه أثناء سجنه المحتفين به بعد العفو الرئاسي الجزائري عنه، لتصل إلى أنّ بوعلّام صنصال ليس ظاهرة مظلوم سياسي، بقدر ما هي ظاهرة أداة سياسية تلوّنت بألوان اليمين المتطرّف، وأدّت دوراً في لعبة التوتّر السياسي التي تقودها فرنسا بارتباك، بسبب تسارع تراجع المكانة، وعمق المشكلات الاقتصادية، والبحث عن ملفّات لإدارة الحملات الانتخابية، خصوصاً الرئاسية المنتظرة لعام 2027، التي يأمل اليمين المتطرّف أن يصل معها مرشّح منه (بارديلا أو مارين لوبان، إذا سمح لها بذلك القضاء، أو حتى روتايو أو زمور) إلى الدور الثاني أو إلى قصر الإليزيه.  وقع صنصال في شراك استثماره فرنسياً في التوتّر مع الجزائر قبل التخلي عنه لم نفاجأ في الجزائر بتغير نبرة الإعلام الفرنسي بشأن صنصال، لأنّ عادة فرنسا أنّها تحاول استخدام أدوات تلهو بها سياسياً، ثم عندما ينتهي مفعولها ترميها، كما تُرمى المهملات. ولكن المفاجأة كانت في سرعة تحوّل تلك النبرة، وفي مَن قادها بالفعل أو بالصمت، على غرار المدافعين عن مسجون، ثم المحتفين به بطلاً بعد عفو رئاسي عنه في الجزائر. ويمكن إضافة متغيّر يتمثّل في طبيعة عبارات إعلاميين وصفوا صنصال بالانتهازي، بل وبالمبتزّ غير الوفي لدار نشر ساندته ووقفت معه زهاء عقدَين، بسبب موقف سياسي مريب، وفرق مالي كبير، إذ وعدته "غاليمار" بمائة ألف يورو عن مذكّرات يوميات سجنه في الجزائر (عنوان كتاب يعتزم صنصال نشره)، والمبلغ الذي وقّع العقد الجديد مع "غراسيه" على أساسه يُقال، وفق تسريبات إعلامية فرنسية، إنّه ناهز المليون يورو. عمل الإعلام الفرنسي بمنهجيَّتَين: الأولى انتقاد صنصال قبل الاستماع لتبريراته وتفسيراته بشأن تغيير بوصلة نشر أعماله من دار نشر إلى دار أخرى، والأخرى استدراج صنصال لتبرير موقفه ودفعه إلى الحديث عن أشياء تدينه سياسياً وأخلاقياً، بقصد النيل منه والحطّ من رمزية ما يمثّله، باعتبار أنّ الإعلام لا يزال يرى فيه أداةً استخدمت وانتهى مفعولها. وربّما الإشارة إلى أنّ من يعمل على الانقلاب على بلده لا يمكن أن يغادر إلى ما هو أفضل أو يعلو أكثر ممّا يريده من جرّه إلى فعل ما فعل، أي أنّ هناك سقفاً، وبعده حتمية السقوط المدوّي. وكان حديث الإعلام الجادّ مرتكزاً على انتقاد صنصال والانقلاب على ما فعله، أمّا إعلام اليمين (واليمين المتطرّف) فقد فضح شخص صنصال ومواقفه حطّاً من شأنه، وإشارة إلى أنّ الآخر، أيّاً كان، حتى صنصال، لا يُوثَق به، ولو كان مجنّساً وعاملاً ضمن نطاق هُويّة وهوى استبدل بهما هُويّة بلده الأصلي وهواه. المنهجية الأخرى هي جرّ صنصال إلى استوديوهات الإعلام، ودفعه إلى إكمال عملية الانقلاب على بلده الأصلي، لأنّه في موقف المدافع عن نفسه من جريمة انقلابه على دار نشر وفيّة له ومدافعة عنه أثناء سجنه وقبل العفو الرئاسي عنه، ليكون حديثه هذه المرّة ابتزازاً سياسياً حقيقياً ضدّ الجزائر، إذ دُفع إلى التصريح بأنّه سيرفع قضايا ضدّ الجزائر على المستوى الدولي، كما أكمل سردية بناء وعي تاريخ مزيّف عن الجزائر، بل الاعتراف بولاء والده لفرنسا، وأنّ عائلته كانت تمجّد التعاون مع الاستعمار، وترى أنّه جاء بفوائد للبلاد، متنكّراً بالتالي لسردية تضحية الجزائريين، شعباً وأمّة، للانبعاث والاستقلال من ربقة الاستيطان والمسخ الاستعماريَّين عن فترة ليل استعماري (تشبيه استخدمه المجاهد فرحات عبّاس رحمه الله، وصفاً لفترة الاستعمار الاستيطاني في كتاب له حمل العنوان نفسه) فاقت القرن والثلاثين عاماً (1830 - 1962). أوقع بوعلّام صنصال نفسه في إشكالية فقدان كلّ شيء، بسبب اعتقاده أنّ فرنسا ستقبل به بعد أن يكون قد أدّى مهمّته هل بدأ سقوط صنصال؟ الإجابة مركّبة، لأنّها سترتكز على سيناريو اعتدناه من فرنسا؛ تستخدم مَن ليس فرنسياً ضدّ هُويّته وبلاده ثم تتخلّى عنه، حتى لا نستخدم عبارات أخرى أقسى، كما ستعتمد على موقف غريب مشابه لما جرى قبل أيّام مع الكاتبة ذات الأصول المغربية، ليلى سليماني، التي استفاقت من غيّ الولاء لفرنسا، وخرجت بتصريحات تعبّر عن عودتها إلى رشدها في العمل للكتابة عن وعي الآخر بهُويّته وأصوله بعيداً من مسارات من أطلقنا عليهم اسم "كتاب في مهمّة" من الكتّاب المغاربة، على غرار الطاهر بن جلّون وكمال داود، على وجه الخصوص، ليكون الموقف بالنسبة إلى صنصال توازياً مع هذا، وأنّه وقع في شراك نُصبت له بإيهامه بأهمية التجنيس الذي حصل عليه. ثم بمجرّد وصوله إلى فرنسا وانتهاء مفعول استخدامه في التوتّر الحاصل مع الجزائر، تم التخلّي عنه بالاستناد إلى قراراته الشخصية بوصفها، في حالة تغيير دار نشر أعماله، أقرب إلى الابتزاز والانتهازية منها إلى التغيير العادي التعاقدي من دار نشر إلى دار أخرى، ثم دفعه إلى التطرّف بشأن مواقفه من الجزائر والسردية التاريخية التي دفعه الإعلام إلى زيادة الحديث عنها. ونتيجة هذا، إغراقه في وحل التناقض مع سردية الهُويّة التحرّرية لبلاده الأصلية، والانتهاء بالتالي إلى سقوط أدبي وأخلاقي وهُويّاتي وشيك، ولكنّه إلى المجهول أكثر. أوقع بوعلّام صنصال نفسه في إشكالية فقدان كلّ شيء، بسبب اعتقاده أنّ فرنسا ستقبل به بعد أن يكون قد أدّى مهمّته، سواء بما صرّح به ليكون سبب محاكمته في الجزائر ودخوله السجن وفق ما ينصّ عليه القانون، ليتحوّل في غضون أيّام إلى أداة ضغط على الجزائر. ثم، حتى مع صدور العفو الرئاسي عنه، يستمرّ في أداء مهمّته، ومن دون معرفة (أو عن قصد) بأنّ مهمّته تلك قد انتهت وحان وقت التحوّل إلى حالة عادية في وضع المتجنّس والمنتقد أو المعارض لبلاده من الخارج وبأدوات هُويّاتية. والنتيجة أنّ السقوط، هذه المرّة، سيكون أكثر إيلاماً، لأنّه لن يجد أرضاً يلجأ إليها: الجزائر، أو يبقى فيها: فرنسا، في وضع سيكون أقرب إلى النسيان والسقوط المدوّي. وهكذا تنتهي معارك الوعي بمن يجهل مداها إلى ما وصل إليه صنصال أو يوشك أن يصل إليه حتماً، ووفق ما يريده من دافع عن قضية صنصال الخاسرة ونافح عنه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية