عربي
كشفت دراسة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت عن أن كلفة الحرب على لبنان لا تقف عند حدود الخسائر المادية المباشرة، بل تمتد إلى قلب السياسات المالية والنقدية التي اعتمدت منذ عام 2023، بما يهدد الاستقرار النقدي الذي تحقق خلال العامين الأخيرين.
وأوضحت الدراسة أن سعر صرف الليرة، الذي بلغ 140 ألف ليرة للدولار الواحد في آذار/مارس 2023، عاد ليستقر عند 89.5 ألف ليرة منذ أغسطس/آب 2023، غير أن هذا الاستقرار بقي، بحسب توصيف البنك الدولي في يناير/كانون الثاني 2026، "هشّاً" وبعيداً جداً عن التعافي المستدام.
الصدمة التي دمّرت "الثقة"
وشرحت الدراسة أن الاستقرار النقدي الذي عاشه لبنان منذ التسعينيات لم يكن قائماً على "قرار تقني جامد" بقدر ما كان قائماً على "الثقة التي مثلتها احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية". لكن هذه الثقة، حسب الدراسة، تعرضت لصدمة مدمرة بعد انكشاف الخسائر الهائلة في القطاع المالي. وأشارت إلى أن تقرير شركة "لازار" الصادر في 28 إبريل/نيسان 2020 قدّر الخسائر المتراكمة بنحو 241 تريليون ليرة، (ما يعادل 68.8 مليار دولار على أساس سعر صرف 3500 ليرة للدولار)، منها 177 تريليون ليرة، (50.5 مليار دولار) في ميزانية مصرف لبنان، و64 تريليون ليرة، (18.3 مليار دولار) في ميزانيات المصارف. كما أبرزت الدراسة أن جذور الأزمة تعود إلى توقف التدفقات من الخارج، ثم إلى الكلفة الباهظة لتثبيت سعر الصرف طوال سنوات، وصولاً إلى "الهندسات المالية في 2016"، ثم إغلاق المصارف 12 يوماً متتالية في 2019، وهو ما فتح الباب أمام الانفلات الكبير في السوق الموازية.
دولرة بعد انهيار
وبيّنت الدراسة أن السلطات اللبنانية أدارت الانهيار عبر تعددية في أسعار الصرف وفرض قيود غير رسمية على رؤوس الأموال، فظهر "اللولار" إلى جانب الدولار النقدي "الفريش"، كما ظهرت ليرة محلية في مقابل ليرة نقدية. وفي ذروة الانهيار، سجل سعر الصرف في السوق الموازية 140 ألف ليرة للدولار في مارس/آذار 2023، بينما كانت احتياطيات العملات الأجنبية تتآكل بوتيرة حادة.
ووفقا للدراسة، بلغ الاستنزاف الأكبر 11 مليار دولار في 2021، ثم 4.8 مليارات دولار في 2022، ثم 3 مليارات دولار في السنة التالية، أي ما مجموعه 18.7 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، بما يعادل 53% من مستوى الاحتياطيات في بداية 2018. وبحلول نهاية 2024، كانت هذه الاحتياطيات قد خسرت أكثر من 73.5% من قيمتها مقارنة ببداية 2018، فيما فقدت الليرة أكثر من 98% من قيمتها، لتصبح "الدولرة النقدية السمة الغالبة في السوق اللبنانية".
عملية تجميلية لـ"الثقة"
وترى الدراسة أن ما جرى بعد ذلك لم يكن استعادة حقيقية للثقة، بل أشبه بعملية تجميلية لها. ونقلت ما وصفته بإعادة تنظيم العلاقة بين وزارة المال ومصرف لبنان على أساس جديد، بحيث "أصبحت الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة تحتسب وفق السعر الجديد للدولار، لكن تستوفى بالليرة، في حين تقرر دفع رواتب القطاع العام بالدولار". وقالت إن "الحكومة كانت بشكل عملي تحول الليرات إلى مصرف لبنان، الذي ينقلها إلى المصارف لتسديد الرواتب بالدولار، بينما يقوم المكلفون بتحويل الدولارات التي جمعوها من السوق إلى ليرات من أجل دفع الضرائب". وأضافت: "كما جرى التفاهم على الحد من ضخ كميات كبيرة من الليرة في السوق لتسديد الفواتير التشغيلية والأجور". وحسب الدراسة، فإن هذه الآلية سمحت بالتحكم في السيولة، لكنها لم تبن استقراراً صلباً بقدر ما أدارت هشاشة قائمة.
الاستدامة المعلّقة
ولفتت الدراسة إلى أن استدامة هذا الاستقرار بقيت معلقة بالكامل على استمرار تدفقات العملات الأجنبية، موضحة أن لبنان يعاني عجزاً مزمناً في الحساب الجاري، وأوعزت السبب الأساسي إلى العجز التجاري. وقالت في شرحها: "لقد بلغ هذا العجز التجاري 15.5 مليار دولار في نهاية 2019، قبل أن ينخفض إلى 7.77 مليارات دولار في 2020، ثم يعود للاتساع إلى نحو 17.44 مليار دولار في 2025. وفي المقابل، تراجعت الصادرات من 3.73 مليارات دولار في 2019 إلى 2.71 مليار دولار في 2024، قبل أن تتعافى جزئياً في 2025، بينما ارتفعت الواردات من 11.31 مليار دولار في 2020 إلى 21.08 مليار دولار في 2025. أما فائض ميزان الخدمات، فلم يكن كافياً لسد الفجوة، إذ هبط إلى 413 مليون دولار في 2019 و63 مليون دولار فقط في 2020، قبل أن يصل إلى 581 مليون دولار في 2025".
تحويلات المغتربين.. صمام الأمان
وشدّدت الدراسة على أن تحويلات المغتربين كانت صمام الأمان الأبرز، إذ بلغت 4.27 مليارات دولار في 2023، ثم 4.8 مليارات دولار في السنتين التاليتين، إلى جانب أكثر من مليار دولار سنوياً من تمويلات أممية، وقروض ميسرة تجاوزت 900 مليون دولار في 2025 من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، "بقي هذا التوازن دقيقاً للغاية، لأن أي تراجع بسيط في هذه التدفقات كفيل بإرباك سعر الصرف".
بلغ العجز التجاري في لبنان 15.5 مليار دولار في نهاية 2019، وانخفض إلى 7.77 مليارات دولار في 2020، ثم اتسع إلى نحو 17.44 مليار دولار في 2025. مقابل تراجع الصادرات من 3.73 مليارات دولار في 2019 إلى 2.71 مليار دولار في 2024، قبل أن تتعافى جزئيا في 2025، وارتفعت الواردات من 11.31 مليار دولار في 2020 إلى 21.08 مليار دولار في 2025.
سلسلة الصدمات
ووضعت الدراسة الحرب في المنطقة ضمن سلسلة طويلة من الصدمات التي تلقاها لبنان منذ 2019، من الانهيار المصرفي والنقدي، إلى انفجار مرفأ بيروت، إلى تداعيات جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى العدوان الإسرائيلي على البلاد في الربع الأخير من 2024، والذي استمر 66 يوماً وخلّف خسائر قدّرها البنك الدولي بنحو 14 مليار دولار.
وأشارت الدراسة إلى أن الحرب لم تنته فعلياً بعد تلك الفترة، بل دخلت مرحلة توتر منخفض استمرت 15 شهراً مع ضربات متواصلة. وفي الوقت نفسه، لم يحصل لبنان على مساعدات كافية لإعادة الإعمار، كما تأخرت عملية إزالة الأنقاض، بينما بقيت الأولوية لدى السلطات هي الحفاظ على استقرار سعر الصرف.
وأضافت الدراسة أن مصرف لبنان واصل كذلك سداد جزء من الودائع بالدولار عبر التعميمين 158 و166، بكلفة تصل إلى 2.7 مليار دولار سنوياً من الاحتياطيات، قبل أن تبدأ هذه الاحتياطيات نفسها بالتراجع في الأشهر الأخيرة، ثم تأتي الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران لتضيف ضغوطاً جديدة على تدفق العملات الأجنبية إلى لبنان.
تهديدات الليرة
واعتبرت الدراسة أن الليرة تواجه ثلاثة مصادر تهديد مباشرة. الأول هو تحويلات المغتربين، لا سيما من دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يعمل نحو 250 ألف لبناني، وتقدّر تحويلاتهم بنحو 3 مليارات دولار سنوياً، وهو "ما يجعل أي ضغوط اقتصادية أو إعادة توجيه للإنفاق في تلك الدول عاملاً مؤثراً في التدفقات إلى لبنان". والثاني هو صدمة النفط، بعدما ارتفع سعر خام برنت من 70 دولاراً إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، في وقت تبلغ فيه فاتورة استيراد المشتقات النفطية في لبنان 4.6 مليارات دولار، أي ما يوازي 22% من إجمالي فاتورة الاستيراد في 2025. أما التهديد الثالث فهو ضعف التصدير في ظل القيود الخليجية، وتعقيدات المعبر السوري، وارتفاع كلفة الاستيراد من أوروبا مع أي تراجع في الدولار أمام اليورو.
وخلصت الدراسة إلى أن الركائز التي قام عليها تثبيت الليرة أصبحت قابلة للكسر، وأن أي خلل في التدفقات الخارجية أو في الجباية أو في أدوات السياسة المالية قد ينعكس مباشرة على سعر الصرف، بما يجعل الاستقرار الحالي أقرب إلى هدنة نقدية منه إلى تعاف فعلي.

أخبار ذات صلة.
التوتر يدهس الجميع والدولار أكبر المستفيدين
العربي الجديد
منذ 16 دقيقة