عربي
أثارت تصريحات وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي سادِيوا الجدل يوم الأربعاء عندما طرح علنًا فكرة فرض رسوم على السفن كوسيلة لتحقيق عائد مالي من "مضيق ملقا"، قبل أن يقرّ بأن مثل هذا الترتيب غير ممكن. وقد جاءت تصريحات المسؤول الإندونيسي التي تراجع عنها لاحقا ضمن ندوة في جاكرتا سعى خلالها للتأكيد على أهمية موقع إندونيسيا الجغرافي، لكن مراقبين اعتبروها صدى لمطالب إيران بالتحكم في مضيق هرمز ما أدى لإثارة مزيد من المخاوف بشأن حرية التجارة العالمية.
وقال بوربايا إن جاكرتا يمكنها الاستفادة ماليًا من موقعها الجغرافي على المضيق، الذي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ ويمر عبره أكثر من 40% من التجارة البحرية العالمية. لكنه سرعان ما تراجع، قائلًا: "لو كان الأمر كذلك فقط".
ونقلت وسائل إعلام محلية عن الوزير الإندونيسي قوله: "إندونيسيا ليست دولة هامشية. نحن نقع على مسار استراتيجي للتجارة والطاقة عالميًا". وتابع: "ومع ذلك، تمر السفن عبر مضيق ملقا دون أن تُفرض عليها رسوم، لست متأكدًا إن كان ذلك صحيحًا أم لا".
وقال بوربايا إن إندونيسيا لن تتمكن من تطبيق مثل هذه الرسوم إلا بالتعاون مع سنغافورة وماليزيا، اللتين تمتلكان أيضًا أراضي على المضيق، لكنه أشار إلى أن ذلك قد يكون مربحًا للدول الثلاث. وأضاف: "إيران تخطط الآن لفرض رسوم على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز". وتابع: "إذا قسمنا العائد بين ثلاث دول — إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة — فقد يكون ذلك كبيرًا". واستدرك: "لو كان الأمر كذلك... لكنه ليس كذلك".
وليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها فرضية رسوم للعبور في مضيق ملقا منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير/ شباط الماضي. وقد أعربت سنغافورة عن معارضتها الصريحة لأي توجه من هذا النوع، وقال وزير خارجيتها فيفيان بالاكريشنان إن "حق المرور العابر مكفول للجميع ولن نشارك في أي محاولات لإغلاق أو عرقلة أو فرض رسوم في منطقتنا". أما وزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارلز فقال إن "حرية الملاحة في أعالي البحار مبدأ أساسي منصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وأستراليا تدافع عنه بقوة". ومن شأن أي رسوم أن تواجه معارضة شديدة من كل من الولايات المتحدة والصين، اللتين تعتمدان بشكل كبير على تدفق النفط والسلع الأخرى عبر مضيق ملقا.
ما هو مضيق ملقا؟
يمتد مضيق ملقا بطول 900 كيلومتر (550 ميلًا)، ويحده كل من إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، ويوفر أقصر طريق بحري يربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا. ويمر عبره نحو 22% من التجارة البحرية العالمية، وفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. ويشمل ذلك شحنات النفط والغاز من الشرق الأوسط إلى الاقتصادات الآسيوية المتعطشة للطاقة مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية. ويُعد ملقا أكبر "نقطة اختناق" لعبور النفط في العالم، وهو الوحيد الذي يتفوق على مضيق هرمز، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وخلال النصف الأول من عام 2025، نُقل نحو 23.2 مليون برميل من النفط يوميًا عبر مضيق ملقا، ما يمثل 29% من إجمالي تدفقات النفط البحرية. وفي المقابل، مرّ عبر مضيق هرمز نحو 20.9 مليون برميل يوميًا. وأظهرت بيانات إدارة البحرية الماليزية أن أكثر من 102,500 سفينة، معظمها تجارية، عبرت مضيق ملقا في عام 2025، مقارنة بنحو 94,300 سفينة في 2024. وتشمل هذه غالبية ناقلات النفط، إلا أن بعض السفن العملاقة تتجنب المضيق بسبب قيود الغاطس وتتجه جنوبًا حول إندونيسيا بدلًا من ذلك. ويسمح هذا المسار بتجاوز مضيق ملقا في حال إغلاقه، لكنه يطيل زمن الرحلات، ما يؤدي إلى تأخير الشحنات وارتفاع الأسعار.
أبرز المخاوف المتعلقة بمضيق ملقا
في أضيق نقطة له، في قناة فيليبس ضمن مضيق سنغافورة، لا يتجاوز عرض المضيق 1.7 ميل (2.7 كيلومتر)، ما يجعله نقطة اختناق طبيعية، ويزيد من احتمالات التصادم أو الجنوح أو تسرب النفط. كما أن بعض أجزائه ضحلة نسبيًا، بعمق يتراوح بين 25 و27 مترًا، ما يقيّد مرور أكبر السفن، رغم أن ناقلات النفط العملاقة جدًا، التي يزيد طولها على 350 مترًا وعرضها 60 مترًا، وغاطسها أكثر من 20 مترًا، لا تزال تعبره.
ولسنوات، كان المضيق بؤرة لعمليات القرصنة والهجمات على السفن التجارية. وشهد العام الماضي ارتفاع عدد الهجمات إلى ما لا يقل عن 104 حوادث، لكنها تراجعت في الربع الأول من هذا العام، وفقًا لمركز تبادل المعلومات التابع لاتفاقية "ريكااب"، وهي منظمة أنشأتها حكومات إقليمية لمكافحة القرصنة. ويحظى هذا الممر الضيق والمزدحم بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لبكين، إذ يمر عبره نحو 75% من واردات الصين البحرية من النفط الخام القادمة من الشرق الأوسط وأفريقيا، بحسب بيانات شركة "فورتيكسا" المتخصصة في تتبع الناقلات.
وقد عززت أزمة إيران المخاوف القائمة منذ فترة طويلة بشأن مدى تأثر نقاط الاختناق مثل ملقا في حال اندلاع نزاع في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، حيث يمر أيضًا نحو 21% من التجارة البحرية العالمية. وتقول السلطات الماليزية إن مضيق ملقا يشهد أيضًا تزايدًا في عمليات النقل غير القانونية للنفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، بهدف إخفاء مصدره.
