عربي
ما زالت التساؤلات تُطرَح في تركيا عن احتمال أن يكون إطلاق النار في أكثر من مدرسة جريمة أكبر من مجرّد سلوك فردي أو تأثّر بلعبة إلكترونية. وقد أعلنت وزارة الداخلية التركية، بالتنسيق مع شعبة الاستخبارات الإلكترونية ورئاسة دائرة مكافحة الجرائم السيبرانية، حصول اعتقالات وذيول للهجومَين على مدرستَين: الأوّل في ولاية شانلي أورفا جنوبي البلاد سقط فيه 16 جريحاً أوّل من أمس الثلاثاء، أمّا الهجوم الثاني ففي ولاية كهرمان مرعش الجنوبية كذلك وأوقع 9 قتلى و13 جريحاً أمس الأربعاء.
يأتي ذلك في حين ألقي فيه القبض اليوم، بحسب مصادر "العربي الجديد"، على تلميذ بعدما بعث رسالة إلى مجموعة على تطبيق واتساب يهدّد في خلالها بتنفيذ هجوم على مدرسة بولاية زنلداق على البحر الأسود. وعند تفتيش منزل التلميذ، عُثر على مسدس وطلقات رصاص صوتي. يُذكر أنّ مسدّساً كان قد ضُبط مع تلميذ في ولاية مرسين جنوبي تركيا في اليومَين الماضيَين.
وتؤرّق حوادث تركيا الأخيرة، المسجّلة في مدارس ثلاث ولايات، التلاميذ وذويهم، مع العلم أنّ الدوام المدرسي عُلّق، فيما ينفّذ المدرّسون إضراباً أعلنت عنه النقابات لمدّة ثلاثة أيام، مع مطالبتهم بتوفير حماية قانونية وأمنية أفضل للكوادر التعليمية والتلاميذ على حدّ سواء.
في تعليق على الحوادث الأخيرة، يقول المدرّس التركي أسامة فرمان لـ"العربي الجديد" إنّها "جديدة ومستغربة وخطرة"، مشيراً إلى أنّ العملية التعليمية في تركيا "محصّنة"، ولم يسبق أن شهدت مدارسها مثل هاتَين الحادثتَين المتزامنتَين والداميتَين. ولا يستبعد خلال تصريح أن تكون للقضية "ارتباطات"، لافتاً إلى "تحريض" محتمل كذلك. ويضيف المدرّس في إحدى مدارس منطقة كوتشوك شكمجة جنوبي مدينة إسطنبول أنّ عنصرَي شرطة عُيّنا، في "حلّ مبدئي"، أمام كلّ مدرسة في تركيا من أجل تحقيق الأمن وتوفير الحماية وتنفيذ عمليات تفتيش، ولا يستبعد فرمان أن يوضَع جهاز خاص بالتفتيش من قبيل الأجهزة التي تُستخدَم في المطارات والفنادق ومنشآت كبرى أخرى.
ويبيّن المدرّس التركي نفسه أن "لا صلاحيات للمدرّسين في تركيا ولا لإدارات المدارس على فرض أيّ شيء على التلاميذ، وأكثر ما يمكنهم القيام به فصل التلميذ لمدّة أسبوع أو نقله إلى مدرسة ثانية"، لافتاً إلى أنّ "حتى الرسوب ممنوع". ويتحدّث فرمان عن "عدم توفّر أدوات وطرق للعقاب، الأمر الذي يزيد ربّما تمادي بعض التلاميذ". ويتوقّع أن تكون الألعاب الإلكترونية وعلى شبكة الإنترنت وكذلك روح التحدّي بين التلاميذ من أبرز الدوافع التي تؤدّي إلى أعمال عنف، في "محاولة للظهور والتميّز". ولا يستبعد احتمال استغلال التلاميذ، من قبل جهات مختلفة، لإحداث مشكلات في المؤسسات التعليمية.
ويلفت فرمان إلى دور الأهل في ضبط سلوك أبنائهم التلاميذ، مستشهداً بما أتى في شهادة لوالد التلميذ عيسى آراس الذي قتل تسعة أشخاص وجرح 13 آخرين في مدرسة "آيسر تشاليك" بولاية كهرمان مرعش، أمس الأربعاء. فقد قال الوالد: "حذّرني طبيب نفسي بخصوص ابني"، مشيراً إلى أنّ الأخير "رافقني إلى ميدان الرماية، يوم الاثنين الماضي، من أجل التدرّب على الرماية". ووفقاً لما نشرته وسائل إعلامية تركية بشأن شهادة الوالد، قال المتخصّص في علم النفس: "أفادني بأنّ ابني قد يواجه مشكلة في التكيّف مع المجتمع، وأنّه يحتاج إلى متابعةٍ"، مبيّناً أنّ ابنه "كان يشارك في ألعاب تفاعلية (على شبكة الإنترنت)، وعندما أدخل غرفته كان يغلق كلّ شيء".
وهزّت الحوادث التي سُجّلت في ولايات شانلي أورفا وكهرمان مرعش ومرسين المجتمع التركي، منذ أوّل من أمس الثلاثاء، مع تداعيات اجتماعية ونفسية، فيما كان تصعيد شعبي ووقفات احتجاجية واستنفار أمني لم يشهدها قطاع التعليمي من قبل. فقد بدّلت الحوادث أولويات القطاع والقائمين عليه، من جودة التعليم والتنافس، إلى السلامة وإعادة تأهيل للمدرّسين والتلاميذ، مع منح السلطات التركية أمن المنشآت التربوية أولوية قصوى.
وبعد الهجوم على مدرسة "آيسر تشاليك" في ولاية كهرمان مرعش، أمس الأربعاء، الذي أدى إلى مقتل تسعة أشخاص (ثمانية تلاميذ ومدرّسة واحدة) وإصابة 13 آخرين، وفقاً لما أدلى به وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، صدرت تصريحات وأُعلن عن تدابير رسمية في هذا السياق؛ فعُلّقت العملية التعليمية في الولاية لمدّة يومَين، وفقاً لتعميم وزير الداخلية.
في سياق متصل، نفى والي إسطنبول داوود غول، شائعات تثير الهلع بشأن هجمات مشابهة، مؤكداً "اتّخاذ كلّ التدابير الأمنية على أعلى مستوى لضمان سلامة التلاميذ"، مضيفاً أنّ "الأنشطة التعليمية مستمرّة بأمان". ودعا أولياء أمور التلاميذ إلى الاعتماد فقط على البيانات الصادرة عن المؤسسات الرسمية وعدم الانسياق وراء الشائعات.
من جهتها، فرضت وزارة العدل والنيابة العامة التركيتَين حظر نشر على تفاصيل التحقيق الجنائي بخصوص هجوم الحوادث الأخيرة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل ضمان سلامة الإجراءات والملاحقة القانونية، ولا سيّما أنّ كثيرين يستخدمون المنصات الرقمية لتمجيد العنف أو نشر معلومات مضللة تثير الهلع.
وتكشف مصادر خاصة من حزب العدالة والتنمية في أنقرة لـ"العربي الجديد" أنّ عمليات اعتقال مشتبه فيهم ومحرّضين على العنف "تتواصل بسرية وتأتي بالتزامن في أكثر من ولاية"، مبيّنةً اعتقال 83 شخصاً بتهمة تمجيد الهجمات والتحريض على العنف والارتباط بمجموعات على تطبيق واتساب تُخطّط لأعمال تخريبية. تضيف المصادر أنّ 93 مجموعة على تطبيق تليغرام أُغلقت، علماً أنّها كانت تنشط ويُصار من خلالها تبادل المحتوى العنيف ضدّ المنشآت التربوية. كذلك أُغلق 100 حساب على موقع إكس، على خلفية خطاب الكراهية وتمجيد المهاجمين.
وحول ما قيل وجرى تداوله بشأن أشخاص مرتبطين بمنفّذ هجوم كهرمان مرعش، تشدّد مصادر "العربي الجديد" نفسها على أنّ "المعلومات خاصة وسرية"، لكنّها تتحدّث عن التحقّق من أدلّة بشأن ما يُعرَف بـ"وثيقة 11 إبريل/ نيسان 2026"، وما يشير إلى أنّ الهجوم ربما كان مخططاً له مسبقاً، مع احتمال وجود رابط بين المنفّذين أو حتى الأشخاص الذين أوقفوا قبل التنفيذ، والأمر كذلك في مدرسة مرسين، من خلال ألعاب إلكترونية ومجموعات دردشة، "بابجي" على سبيل المثال.
لكنّ المهم، وفقاً للمصادر نفسها، أنّ كلّ الإجراءات اتُّخذت بسرعة، فمكتب المدعي العام أوضح أنّ العمليات التي ينفّذونها لن تتوقّف عند الاعتقالات الحالية، بل ستشمل كلّ من ساهم "ولو بكلمة" في دعم هذه الجرائم على وسائل التواصل الاجتماعية، مؤكدةً بالتالي ما قيل عن "تكثيف الوجود الأمني المباشر أمام أبواب المدارس وتفتيش الحقائب والمواد الرقمية المشبوهة".
في الإطار نفسه، أفاد وزير العدل التركي أكين غورليك، في بيان، بأنّ إجراءات عديدة اتُّخذت ضدّ حسابات عدّة وبأنّ التحقيقات التي تجريها النيابات الجمهورية مستمرّة، مشيراً إلى تحديد حسابات تتداول لقطات من الحوادث على الرغم من حظر النشر، وتتداول محتويات قد تثير خوفاً وذعراً بين الناس، وتنشر معلومات مضلّلة ومنشورات تمجّد الجريمة. وبالفعل، بدأت 55 نيابة جمهورية في تركيا تحقيقاتها بحقّ 130 صاحب حساب، واحتُجز 95 شخصاً. وأوضح غورليك أنّ العمل ما زال جارياً لإلقاء القبض على 35 شخصاً آخرين.
وفي إطار التحقيقات، بيّن وزير العدل التركي أنّ الوصول حُظر عن 1,104 حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، كذلك حُدّد مستخدمون تداولوا منشورات تتناول هجمات محتملة على المدارس. أضاف أنّ حسابات تثير قلقاً وسط الرأي العام حُدّدت، من خلال منشورات تشير إلى هجمات مرتقبة على المدارس، وفي هذا الإطار احتُجز 67 مستخدماً استهدفوا 54 مدرسة، وتتواصل الإجراءات القانونية بحقّهم. وفي ما يتعلق بالهجومَين اللذَين استهدفا مدرستَين في ولايتَي شانلي أورفا وكهرمان مرعش، أضاف غورليك أنّ العمل جارٍ لإلقاء القبض على 35 شخصاً.
وكانت النيابة الجمهورية في أنقرة قد أفادت بأنّها وجّهت "تعليمات إلى مديرية مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية العامة للأمن من أجل تحديد المحتويات الرقمية والمنصات التي قد توجّه أطفالنا نحو العنف واتّخاذ إجراءات ضدّها". أضافت أنّ ثمّة متابعة عملية من قبل 171 من النيابات الجمهورية في ولايات تركيا البالغ عددها 81 ولاية، وتُنفَّذ بالتنسيق مع وزارة الداخلية ووزارة التربية الوطنية.
إلى جانب ذلك، يفيد مدير مكتب تلفزيون العربي في إسطنبول عدنان جان بأنّ لجنة تُشكَّل في البرلمان التركي لدراسة الهجمات على المدارس، وتقييم أنظمة الأمان المدرسي، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في التحريض. يضيف جان لـ"العربي الجديد" أنّ اجتماعاً أمنياً موسّعاً يُعقَد في وزارة الداخلية، لتقييم التدابير الأمنية في المدارس ومحيطها، مع تفعيل دوريات سيبرانية إلى جانب الحماية الأمنية، بهدف مراقبة التهديدات عبر الإنترنت. ويتابع بأنّ ذلك يأتي إلى جانب استمرار التحقيقات في وزارة التربية عبر فريق من المفتّشين، بالتوازي مع تحقيقات قضائية تقودها وزارة العدل.
