عربي
أظهر استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة "فورتي دي بي" ونشرته صحيفة الباييس وإذاعة "كادينا سير" الإسبانيتين، معطيات لافتة حول نظرة الإسبان إلى التحديات الدولية، حيث يتصدر القلق والتشاؤم المشهد العام، في ظل تصاعد الأزمات الجيوسياسية وتراجع الثقة بمستقبل أكثر استقراراً. وتكشف نتائج هذا الاستطلاع عن تحولات عميقة في إدراك الرأي العام الإسباني لطبيعة النظام الدولي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق العالم نحو مزيد من الاضطراب. وبحسب نتائج الاستطلاع، يرى 81% من الإسبان أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمثل التهديد الأكبر للسلم العالمي، متقدماً بفارق طفيف على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي حصل على 79.3%، فيما جاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المرتبة الثالثة بنسبة 71.2%.
كما شملت قائمة القادة الذين يُنظر إليهم باعتبارهم مصادر تهديد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بنسبة 62.9%، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بنسبة 62.2%، والرئيس الصيني شي جين بينغ بنسبة 49.3%. وتعكس هذه الأرقام تصاعد القلق الشعبي من تعدد بؤر التوتر العالمي، وتنامي الشعور بأن النظام الدولي بات أكثر هشاشة وأقل قدرة على احتواء الأزمات.
انقسام داخلي على خلفية السياسة الدولية
وفي السياق الداخلي، تكشف نتائج الاستطلاع عن انقسام سياسي حاد في تفسير هذه التهديدات. فبينما يحمّل ناخبو اليسار المسؤولية الأكبر لترامب، يميل ناخبو اليمين، خصوصاً الحزب الشعبي، إلى اعتبار بوتين الخطر الأكبر، في حين يبدي أنصار حزب "فوكس" اليميني المتطرف مواقف أقل حدّة تجاه ترامب ونتنياهو مقارنة ببقية التيارات. ويمتد هذا الانقسام إلى قضايا استراتيجية، أبرزها زيادة الإنفاق العسكري، حيث ينقسم الإسبان تقريباً إلى نصفين: 46.3% يؤيدون الزيادة مقابل 45.3% يعارضونها، كما أن فكرة إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية لا تحظى بدعم يُذكر إلا لدى ناخبي اليمين المتشدد.
وعلى صعيد الأزمات الدولية، يظهر الرأي العام الإسباني ميلاً واضحاً نحو الحلول السلمية، إذ يعارض 56% استمرار العمليات العسكرية الهادفة إلى إسقاط النظام الإيراني، في حين يحظى وقف إطلاق النار في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي بدعم كبير، حيث يؤيد نحو 75% ممارسة ضغوط دولية لتحقيقه. كما يدعم غالبية المستطلعين الحلول السياسية التفاوضية للأزمة في فنزويلا، بنسبة تفوق 70%، إلى جانب تأييد استمرار الدعم العسكري الدولي لأوكرانيا في مواجهة روسيا بنحو 66%. وفي المقابل، يرفض أكثر من نصف الإسبان أن تدعم بلادهم عسكرياً الولايات المتحدة أو إسرائيل في أي مواجهة مع إيران، ما يعكس توجهاً عاماً نحو تجنب الانخراط المباشر في النزاعات الدولية.
ويشير الاستطلاع إلى أن ثلثي الإسبان يتابعون الأخبار الدولية بانتظام، غير أن هذا الاهتمام يتفاوت بشكل ملحوظ بين الفئات العمرية والجندرية، حيث يزيد اهتمام كبار السن بنحو 20 نقطة مئوية مقارنة بالشباب، كما يظهر الرجال اهتماماً أكبر بالشأن الدولي مقارنة بالنساء، ما يعكس فجوة في متابعة القضايا العالمية.
تخوّف من المستقبل
أما على مستوى النظرة إلى المستقبل، فتعكس النتائج حالة من التشاؤم العميق، إذ إن نحو 70% من الإسبان متشائمون بشأن مستقبل العالم، بينما يتوقع حوالي نصفهم عالماً أكثر عنفاً واستبداداً، في حين لا تتجاوز نسبة من يعتقدون بإمكانية تحسن الأوضاع 10%. كما يرى 59% أن الولايات المتحدة قد تشهد تراجعاً ديمقراطياً، مقابل 54% يتوقعون تراجعاً مماثلاً في الاتحاد الأوروبي، فيما يعتبر نصف المستطلعين أن نشوب حرب عالمية أمر ممكن. وتشمل هذه المخاوف أيضاً احتمال تدخلات عسكرية أميركية جديدة وأزمات اقتصادية عالمية نتيجة تصاعد النزاعات، خاصة في الشرق الأوسط.
الدور الإسباني في العالم
وفيما يتعلق بدور إسبانيا، تنقسم الآراء بين من يراه إيجابياً بنسبة 37% ومن يراه سلبياً بنسبة 30%، بينما يلتزم الباقون موقفاً محايداً، وهو ما يعكس استمرار الانقسام السياسي الداخلي. ومع ذلك، يظهر توافق واسع يتجاوز 75% على ضرورة الدفاع عن السيادة الاقتصادية والطاقية واحترام القانون الدولي، كما يؤيد أكثر من نصف الإسبان فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد، في مؤشر على رغبة متزايدة في تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
ورغم الجدل، يؤيد نحو ثلثي الإسبان البقاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع معارضة محدودة تتركز لدى بعض التيارات اليسارية، في حين يرفض معظمهم إرسال قوات عسكرية إلى مناطق النزاع. وفي ختام الاستطلاع، عبّر 50% من المشاركين عن استعدادهم لتحمل مخاطر شخصية دفاعاً عن الديمقراطية في إسبانيا، مقابل 36% رفضوا ذلك، ما يعكس تمسّكاً نسبياً بالقيم الديمقراطية رغم أجواء القلق والتشاؤم.
وفي المجمل، تكشف هذه الدراسة عن مجتمع إسباني يعيش حالة من التوتر بين الخوف من عالم مضطرب والرغبة في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، حيث تتزايد الشكوك حول مستقبل النظام الدولي، فيما يبقى الرهان قائماً على الدبلوماسية والتعاون الدولي سبيلاً لتفادي مزيد من الأزمات.
