"بعد الحياة بخطوة"... رواية خيال جامح
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تُعدّ مرويات تجارب الاقتراب من الموت والخروج من الجسد والانتقال إلى العالم الآخر الأكثر إثارة للجدل، إذ تميل الأغلبية إلى عدم التصديق، وفي أحسن الأحوال تفسّرها بهلوسات ورؤى وأخيلة أصحابها، مصدرها العقل الباطن، والذهن الذاهب في غيبوبة بفعل الأدوية والمسكّنات الثقيلة التي تُضخ في الجسد المُسجّى بين الحضور والغياب. ويُعدّ كتاب "برهان الجنة"، للطبيب الأميركي إيبن ألكسندر، الأكثر شهرة في هذا السياق، إذ يصف فيه ألكسندر تجربة الاقتراب من الموت التي مرّ بها حين سقط في الغيبوبة إثر إصابته بمرض السحايا، وقدّم في كتابه سرداً دقيقاً لما اكتشفه في الجانب الآخر من الحياة. كذلك زخرت الأفلام السينمائية والوثائقية العالمية بكثير من القصص لأشخاص اقتربوا كثيراً من الموت وعادوا بقصصهم الغرائبية عن العالم الآخر، حيث النور والصفاء والسكينة والسلام النفسي والنشوة، ولقاء الراحلين من الأحبّة، والتخفّف، والسعادة بالجسد الأثيري الحرّ من الألم والحزن، المتشوّق المتلهّف إلى العالم الجديد الذي لا يضاهيه شيء. تأتي رواية "بعد الحياة بخطوة" (ألف كتاب وكتاب، لندن، طبعة ثانية، 2024) للكاتب الأردني يحيى القيسي، في السياق الغرائبي المثير نفسه. تُفتتح بالآية القرآنية الكريمة: "... فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"، كي ينطلق بنا في رحلة مذهلة تبدأ من لحظة الغيبوبة والاقتراب من الموت التي يمرّ بها الرجل الأربعيني، وهو معلّم لغة عربية متقاعد يعاني من الاكتئاب والملل والحساسية المرهفة تجاه الضغوط، ما يعرّضه لجلطة قلبية تؤدّي به إلى غيبوبة دامت شهراً كاملاً. وبلهجة السارد العليم، يحكي القيسي قصّة الرجل الذي لم يمنحه اسماً، الرجل الذي رأى في حالته الشفيفة الغامضة ما مرّ في حياته منذ لحظة الولادة حتى السقوط في الغيبوبة؛ ذكريات ومشاعر جليّة بات يعيها بحدّة وانتباه بتفاصيلها، لحظة انزلاق الجسد الدبق من الرحم الدافئ، وقطع الحبل السرّي، وطقوس الاحتفال القروي التي رافقت لحظة ميلاده. يتابع الروائي، ضمن متتالية لفظية وانثيالات لجملة مفردات، وعبر مشاهد متلاحقة، سرد قصة حياة الرجل، من طفولته إلى مراهقته. ولا يفتعل القيسي هنا سرداً مركّباً، بل يفسح المجال بتمكّن واحتراف للغة كي تتفكّك وتتداعى وتشيّد من جديد عوالم طفولته ومراهقته بتلك الجمل البسيطة والعادية التي تحرّض المخيّلة وتستفزّ الحنين إلى زمن مضى بمفرداته الجميلة: "شيش بابور الكاز"، و"صابون نابلسي ماركة مفتاحين"، و"مجدرة برغل مسكوبة للتو من طنجرة ألمنيوم". وقد برع القيسي في بناء عوالم روائية نابضة بالأصوات والروائح والألوان، في لغة مكثّفة مباشرة قادرة على إحداث التأثير الصادم في نفس المتلقّي. ثم ينتقل بنا في رحلة غرائبية عجيبة، متكئاً على أسلوب سرد صوفي عميق مدهش لملامح العالم الآخر، فتتماهى رغماً عنك مع ما يدور، ما يشي بأنّ الكاتب قرأ وشاهد وسمع، ولعلّه خاض التجربة الاستثنائية بشكل ما، كما يبدو جليّاً التأثّر بأدبيات التصوّف وبالنصوص الدينية. يقول يحيى في وصف الانتقال والعروج: "مثل دفقة متوهّجة تضيء كل ما اعتم، وعي حادّ يتحوّل إلى عين خارقة، يبدو هذا الاستيقاظ مباغتاً ووحشياً، كان هناك يرى كلّ شيء في الآن نفسه، وقد استحوذ عليَّ شعور بسعادة غامرة أزلية، امتلاء بالخفّة، التحرّر من الجسد الكثيف القوام". وحين يعود إلى وعيه، يُصاب بالحزن والخيبة، ويحاول نقل ما مرّ به من تفاصيل إلى الآخرين، غير أنّه، مثل الأنبياء والمصلحين، يُواجه بالرفض وتُوجَّه إليه تهم الجنون وغرابة الأطوار، فيعتريه اليأس ويتوق إلى العودة إلى ذلك العالم النوراني البديع، حيث الضوء الباهر يغسل كلّ شيء، والسعادة المطلقة ممكنة الحدوث. وبصرف النظر عن موقفنا من تجارب الاقتراب من الموت والغيبيات والروحانيات، فإنّنا نظلّ بصدد عمل روائي بديع ممتع، ثري، متعدّد المستويات، بالغ الإتقان، قابض على التفاصيل الفنّية من حيث اللغة وتماسك السرد والقدرة على التنقّل الرشيق بين الواقعي والغرائبي، والمادي والروحاني. وهو عمل مختلف يترك في الروح أثراً عميقاً، ويحرّض الخيال على مزيد من الجموح والتأمل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية