عربي
يعلو هدير الطائرة الحربية الإسرائيلية، إيذاناً بأنّ الضربة باتت على بعد ثوانٍ. قد يسمع صوت الغارة أو لا يسمع. تمضي الثواني لترتفع أعمدة الدخان من المكان المستهدف عبر شاشة التلفزة. يتكرر الأمر في ساعات الصباح والمساء أكثر من مرة. ولقصف النهار وطأة أخفّ من الاستيقاظ على الأبنية تهتز جراء الضربات ومحاولة التقدير ما إذا كانت غارة جوية أو ضربة عبر البوارج الحربية. وتلك مفعولها أشد. أما صوت الصاروخ وهو يستعد للسقوط (يقولون في لبنان إنه يَشحَط) فحكاية أخرى تنتفي معها القدرة على التخمين.
تمر دقائق تمضي بين محاولات الاطمئنان على الأقارب ومعرفة حجم الأضرار ثم تستأنف الحياة. كل ذلك فصل من يوميات اللبنانيين على مدار شهر كامل من العدوان الإسرائيلي. والحديث هنا ليس عن جنوب لبنان حيث يتركز الجزء الأكبر من العدوان والمواجهات بين الاحتلال وحزب الله، بل عن العاصمة اللبنانية والمناطق القريبة منها.
كل يوم إضافي من العدوان يزداد التوحش الإسرائيلي. مجازر متنقلة تنهي حياة أسر بأكملها. ضرب عشوائي للأبنية السكنية بهدف تدميرها لا غير، استهداف متكرّر للمراكز الصحية، الإسعافات، الجسور الرئيسية، حتى بات استهداف محطات الكهرباء والمعابر الرئيسية أمراً متوقعاً.
ببساطة إنها إبادة على الهواء والبطيء. لكنّها غير مفاجئة. على مدى أكثر من عامَين راقب العالم، ومن ضمنهم اللبنانيون، إبادة غزة، وكأنها تحضير لما هو آتٍ. شكل العدوان على لبنان في 2024 محطة أولى للتطبيع مع بعض من فصول الإبادة لتستكمل في العدوان الحالي. عندما أصدر جيش الاحتلال إنذاراً لإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت بأكملها وبدأت الناس بالمغادرة عبر السيارات أو سيراً على الأقدام في صفوف طويلة، كانت مشاهد التهجير من غزة حاضرة. وعندما تصل الأنباء عن إبادة عائلة بأكملها تحت ركام منزلها، تُستذكر مأساة غزة... هو الإجرام نفسه.
كل المؤشرات تفيد بأن الأيام المقبلة ستكون أصعب في الميدان، إذ يقرّ الاحتلال بصعوبة تحقيق أهدافه الفضفاضة وأولها نزع سلاح حزب الله، ويلقي المسؤولية تارةً على الحكومة اللبنانية وتارة على الجيش اللبناني، وتارة أخرى يروّج عبر تسريبات في صحفه إمكانية عقد تفاهمات مع دمشق للمشاركة في قتال الحزب.
والأوضاع ستكون أشدّ وطأة على اللبنانيين إذا ما ذهب الاحتلال بعيداً في زيادة الضغط عبر التهجير والفتنة والحصار. أما حديث المفاوضات الصادر عن مسؤولين لبنانيين فلا مكان له في الوقت الحالي في حسابات الإسرائيليّ قبل أي أحد آخر، بانتظار ما إذا كان باب الجحيم الذي يتوعّد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران سيُفتح، وحدوده وتداعياته.

أخبار ذات صلة.
فان غوخ على أبواب طهران
العربي الجديد
منذ 33 دقيقة
أزمة الفوسفات في تونس تُبدد مكاسب الحرب
العربي الجديد
منذ 44 دقيقة