سجالات حادة حول مشروع قانون العنف بالإنابة في إسبانيا
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
لم يدخل مفهوم العنف بالإنابة إلى الوعي الاجتماعي الإسباني إلا بعد قضايا صادمة هزّت الرأي العام خلال العقد الماضي. من أبرزها جريمة قتل الطفلين روث وخوسيه في عام 2011 على يد والدهما خوسيه بريتون، في قضية كشفت أنّ المعتدي قد يكون أباً بيولوجياً، وليس أباً حامياً.  لاحقاً، أسهمت قضايا أخرى في ترسيخ هذا الوعي، أبرزها قتل الطفلتين آنا وأوليفيا في جزيرة تينيريفي عام 2021، بعد أن قال والدهما لوالدتهما قبل الجريمة: "لن تريهما مجدداً". اختصرت تلك العبارة جوهر العنف بالإنابة، وهو لا يعني القتل جسدياً، بل التدمير نفسياً عبر استهداف أكثر ما تحب. ومنذ عام 2013، أُدرج الأطفال الذين قُتلوا على يد آبائهم أو شركاء أمهاتهم ضمن الإحصاءات الرسمية لضحايا العنف الذكوري، وبلغ عددهم حتى اليوم 38 طفلاً، في مؤشر صادم على حجم الظاهرة وخطورتها. على وقع هذه القضايا، بدأ المشرّع الإسباني يتعامل مع ما يُعرف بـ"العنف بالإنابة" بوصفه شكلاً خاصاً من أشكال العنف ضد المرأة. ويُعرَّف قانونياً على أنه "استخدام الأطفال أو الأشخاص المقرّبين من الضحية وسيلةً لإلحاق ضرر نفسي وعاطفي، بهدف السيطرة عليها أو معاقبتها، ولا سيّما في سياقات الانفصال أو النزاعات الأسرية". وهو يختلف عن العنف النفسي التقليدي الذي يشمل التهديد أو الإهانة أو السيطرة، إذ يتميّز العنف بالإنابة بوجود طرف ثالث يُستَخدم وسيلةً للإيذاء، وهو غالباً الطفل، وهو ليس أداة ضغط فحسب، بل جزء من دائرة العنف نفسها، سواء عبر التهديد بإيذائه، أو حرمان الأم من رؤيته، أو تعريضه لخطر فعلي. وينصّ مشروع قانون إسباني جديد على تعريف العنف بالإنابة باعتباره استخدام المُعتدي للأطفال أو الأشخاص المقربين لإلحاق الضرر النفسي بالمرأة، ويُصنف المشروع هذا النوع من العنف جريمةً مستقلة في القانون الجنائي، مع فرض عقوبات تُراوح بين الحبس ومنع الاتصال بالأطفال وحظر امتلاك السلاح، إضافة إلى إدخال تعديلات على قوانين الحضانة والولاية الأبوية لضمان حماية الضحايا. كما يشمل القانون خططاً للتوعية والتدريب لضمان فعالية تعامل المؤسسات القضائية والاجتماعية مع هذه الجرائم. وتعكس المعطيات الرسمية حجم التحدي الذي يواجهه المجتمع الإسباني في التعامل مع العنف بالإنابة. منذ عام 2013، قُتل أكثر من 65 طفلاً في سياق عنف بالإنابة بحسب بيانات الحكومة الإسبانية، ما يجعل هذه الظاهرة من أكثر أوجه العنف تجاه الأطفال ارتباطاً بالعنف ضد النساء، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي الوقت الذي ظهر فيه تراجع عام في عدد النساء اللواتي قُتلن على أيدي شركائهنّ أو شركاء سابقين، لا يزال العنف بالإنابة يتبدى بوصفه ظاهرة مؤلمة، حيث تستمر حالات الأطفال المغدورين في الارتفاع، وتكشف محدودية آليات الحماية الحالية. تؤكد الحكومة الإسبانية أنّ إدراج العنف بالإنابة في قانون عضوي مستقل يمثّل اعترافاً قانونياً متأخراً بظاهرة عُولجت طويلاً بشكل مجتزأ ضمن قوانين العنف الأسري أو العنف القائم على النوع الاجتماعي. وتقول وزيرة المساواة الإسبانية، آنا ريدوندو، إنّ المشروع "نصّ حساس ومعقّد"، مشيرةً إلى أنّ غياب سوابق تشريعية واضحة يجعل صياغته تحدياً قانونياً، لكنه ضروري لتزويد القضاء بأدوات محددة للتعامل مع هذا النوع من العنف. وتشدّد الحكومة على أن القانون الجديد لا يهدف إلى استبدال التشريعات القائمة، بل إلى تعزيزها، عبر تجريم العنف بالإنابة بشكل صريح، وتوسيع مظلة الحماية القانونية، ولا سيّما للأطفال. ورغم التوجّه الحكومي نحو قانون العنف بالإنابة، تُحذّر جمعيات نسوية وخبيرات قانونيات من أنّ صياغة المشروع الحالية قد تحمل ثغرات خطيرة من الممكن أن تُضعف حمايته للنساء والأطفال. وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، تقول الكاتبة والناشطة النسوية إستر فيفاس، إنّ "تقديم العنف بالإنابة بوصفه جريمة محايدة هو إنكار للسياق الذي وُلد فيه هذا المفهوم"، مضيفةً أن "العنف بالإنابة ليس نزاعاً عائلياً، بل استمرار للعنف الذكوري بأدوات أخرى، أخطرها استهداف الأطفال". من جهتها، تحذّر أليثيا روبيرو، المحامية المتخصصة في قضايا العنف صد المرأة وعضو في شبكات عدّة للدفاع عن الأمهات الحاضنات، من أنّ الصياغة القانونية الحالية "قد تُستخدم ضد النساء بدل حمايتهنّ". وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ "عدم ربط العنف بالإنابة صراحة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي يترك هامشاً واسعاً لتفسيرات قضائية تُبقي حق الزيارة أو الولاية الأبوية حتى في وجود تهديدات واضحة"، معتبرةً أن "هذا الحياد القانوني المزعوم لا يحمي الأطفال، بل يعرّضهم للخطر".  وتتابع أن الجدل لا يقتصر على التعريف القانوني، بل يمسّ فلسفة النظام القضائي نفسه. وتقول: "ما نراه يومياً هو أن المحاكم تميل إلى التقليل من شأن العنف النفسي والرمزي، رغم أنه مقدمة لكوارث أكبر". وتوضح أنّ عبارة مثل "لن تري أبناءك مجدداً"، لا تُؤخذ دائماً على محمل الجدّ، رغم أنها في كثير من الحالات كانت إنذاراً مبكراً لجريمة.  ويزيد من هذا الجدل استحضار المجتمع الإسباني والجمعيات المعنية في مثل هذه القضايا الفشل المؤسسي الذي جرى كما في قضية إيتسيار براتس التي فقدت ابنتَيها عام 2018 رغم طلبها المتكرر للحماية، بعدما نفّذ شريكها السابق تهديده بقتلهما. ورغم إدخال تعديلات لاحقة على نظام حماية ضحايا العنف الذكوري، فإنّ هذه الإجراءات جاءت بعد سنوات من الضغط النسوي، ما يثير تساؤلات حول فعالية القوانين في غياب فهم مؤسساتي عميق لطبيعة العنف بالإنابة.  ويعكس الجدل الدائر حالياً في إسبانيا حول مشروع القانون توتراً أوسع في المجتمع الإسباني بين الرغبة في توسيع الحماية القانونية، والخشية من إنتاج نص تشريعي غير مُحكم. إذ بينما ترى الحكومة أن الاعتراف القانوني بالعنف بالإنابة خطوة متقدمة، ترى الجمعيات النسوية والمجتمع المدني أن أي معالجة لا تنطلق صراحة من كونه شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة قد تفقده معناه الحقيقي. وفي النهاية، لا يبدو هذا النقاش خلافاً تقنياً حول صياغة قانونية فحسب، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الإسبانية على الاعتراف بأن العنف ضد المرأة لا ينتهي بتوقيع وثيقة الانفصال، بل قد يتخذ أشكالاً أكثر قسوة وخفاءً، يكون الأطفال في قلبها ضحايا بلا صوت.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية