عربي
يتحرك ناشطون في العراق من أجل تقنين مسألة قطع الأشجار التي تُستخدم في شواء السمك، المعروف محلياً بـ"المسكوف"، خصوصاً مع ارتفاع عدد المحال المتخصصة بتقديم وجبات السمك المسكوف في البلاد، والوصول إلى حدّ قطع أشجار الزيتون والفستق، ومشاركة شركات تابعة لجهات نافذة في عمليات قطع الأشجار، وبيعها للمطاعم وصانعي الفحم.
يصنّف الناشطون وبعض منظمات المجتمع المدني المعنية بالبيئة، ما يحدث حالياً بالأشجار، ولا سيّما "النادرة" المستخدمة في صناعة الفحم وإعداد المسكوف، بـ"الجريمة". وبحسب الناشطين، فإنّ "بعض مطاعم مدينة الموصل، هي الأكثر اعتماداً على أشجار الزيتون والفستق، إذ تمنح سمك المسكوف نكهة خاصة، كما يقول أصحاب هذه المطاعم".
والسمك المسكوف يُعدّ من المأكولات العراقية الشهيرة التي يجتمع حولها الأصدقاء والعائلات، وتُعتبر ضفاف نهر دجلة أفضل مكان لتناولها، حيث تحلّق طيور النورس في المكان، أو في المطاعم الراقية التي ازدادت خلال الفترة الأخيرة، نظراً لتوسع المدن والزيادة السكانية. وقد اشتهرت مطاعم معينة في بغداد والموصل أكثر من غيرها، ما فتح التساؤلات عن الأشجار التي تتحول إلى فحم لإعداد السمك.
وبحسب "مرصد العراق الأخضر"، وهو مرصد بيئي غير حكومي، فإنّ "العراق خسر مليون شجرة في غضون عامين فقط، بسبب مجموعة عوامل، منها القطع المتعمّد لأشجار الحمضيات المفضلة في شواء السمك المسكوف"، مبيّناً أن "العملية تحصل عبر قطع المياه عن بعض البساتين، تمهيداً لقطع الأشجار وبيعها لمحال شواء الأسماك".
وجاء في بيان سابق للمرصد أن "تلك الحوادث تكررت في محافظتَي نينوى وواسط بجانب محافظة ديالى التي شهدت أكثر تلك الحالات، نظراً لوجود أشجار الحمضيات التي تضيف نكهة إلى الأسماك المشوية"، موضحاً أن "أزمة الجفاف التي تعاني منها غالبية المحافظات العراقية، تُعدّ أحد عوامل خسارة مليون شجرة، إذ أدّى الجفاف إلى يباس تلك الأشجار وتكسرها، ومن ثم موتها بعد إصابتها بالأمراض والحشرات، مثل حشرة الأرضة الضارّة (النمل الأبيض)، وهذا ما حصل في المحافظات العراقية الجنوبية".
وأشار المرصد إلى أن "المشاريع الخدمية استهلكت العديد من الأشجار، علماً بأن غالبيتها كانت معمّرة، ولا سيّما في بغداد، وزُرعت أشجار صغيرة بدلاً منها في أماكن أخرى، ولكن من دون جدوى لأنها تحتاج إلى عمليات ريّ واهتمام وانتظار لسنوات من أجل نموّها وأداء وظائفها، كي تكون شجرة ظليّة أو مصدّاً للرياح والغبار والرمل". وأكد المرصد أن "من أسباب خسارة مليون شجرة أيضاً، افتعال البعض حرائق في البساتين لإفراغ المساحة تماماً من الأشجار، وتهيئتها للبيع لأغراض البناء والسكن، كما حصل أخيراً في أحد بساتين منطقة الدورة جنوبي بغداد".
وخلال الأيام الماضية، أثار مقطع مصوّر نشره أحد مطاعم السمك المسكوف في الموصل غضباً شعبياً، بعد أن أظهر استخدام أخشاب مأخوذة من أشجار زيتون، قيل إنها تُضيف نكهةً مميزة لطعم السمك. ووصف ناشطون المسألة بـ"التجاوز الخطير" الذي طاول مئات الأشجار في منطقة الفاضلية بناحية بعشيقة شرقي الموصل، وهي منطقة تضم عشرات الآلاف من أشجار الزيتون المعمّرة.
عقب ذلك، وجّهت دائرة بيئة محافظة نينوى تحذيراً إلى أصحاب مزارع الزيتون، ومنعتهم من قطع الأشجار، باعتبارها ثروة وطنية. إلا أن الناشط البيئي يعقوب حسن من مدينة الموصل، يؤكد لـ"العربي الجديد" أن "بعض المطاعم المعروفة ببيع السمك المسكوف، سواء في الموصل أو بقية المحافظات، هي الأكثر إضراراً بالبيئة، خصوصاً أنها لا تعتمد على الفحم الجاهز، بل على الشجر بوصفه المادة الخام للفحم". ويعتبر حسن أن "بعض باعة الأشجار يستغلون مناطق أطراف المدن لتجريف البساتين"، مشيراً إلى أن "بعض أشجار الزيتون يتجاوز عمرها 100 عام، بالإضافة إلى أشجار الفستق النادرة، وأغلبها راح ضحية القطع الجائر، من دون أي انتباه حكومي". ويوضح أن "المطاعم التي تُعدّ سمك المسكوف تطلب أشجار الزيتون والفستق، لأنها تمنح هذا الطبق الشهير رائحة ونكهة لذيذة، من دون الاكتراث بتداعيات ذلك على البيئة".
وسبق أن أصدرت قائمقامية أربيل شمالي العراق تحذيراً إلى أصحاب المطاعم من استخدام الحطب المأخوذ من الأشجار في شواء السمك. وجاء في التحذير الرسمي أنّ القائمقامية "أبلغت مديريات البلدية ضمن الحدود الإدارية لمحافظة أربيل بأن تلك المطاعم التي تستخدم الحطب في شواء السمك لا يمكن لها بأي شكل من الأشكال استخدام هذه المادة مرة أخرى"، موضحةً أن "هدفها الحفاظ على صحة المواطنين وعلى البيئة والغابات التي تُعدّ ثروة وطنية".
من جهته، يرى عضو "مرصد العراق الأخضر" عمر عبد اللطيف، أن "السمك المسكوف تحوّل إلى كارثة بيئية في العراق، وأنّ بساتين كثيرة جُرفت وتحولت إلى أراضٍ قاحلة بسبب بيع الأشجار لأصحاب مطاعم المسكوف"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "نحو 50% من أشجار الحمضيات في محافظة ديالى راحت ضحية القطع الجائر والتجريف من أجل بيع الأشجار لمطاعم المسكوف. لذلك، لا بدّ من وضع حد لهذه المشكلة، وابتكار طرق جديدة للتعامل مع طبق المسكوف وطريقة إعداده".

أخبار ذات صلة.
"بعد الحياة بخطوة"... رواية خيال جامح
العربي الجديد
منذ 55 دقيقة
ترامب يهرب إلى الأمام
العربي الجديد
منذ 55 دقيقة