وجوه الأمومة المظلمة
عربي
منذ 12 ساعة
مشاركة
في رواية الكاتبة الأميركية توني موريسون "المحبوبة"، المستوحاة من قصّة حقيقية، هربت البطلة ذات الأصل الأفريقي مع أطفالها من نير العبودية في ولاية كنتاكي الأميركية (في القرن التاسع عشر) إلى ولاية أوهايو، المستقلّة آنذاك. وبعد شهر، حضر مالكوها لاستردادها مع أطفالها بموجب قانون العبيد الذي يُجيز لهم مطاردة الفارّين من العبودية وإعادتهم. حينها، ذبحت الأمُّ "سيث" طفلتها "محبوبة"، ذات العامَين، حتى لا يعيدوها إلى العبودية، وهو فعلٌ قاس في عالم أشدّ قسوةً. لكن ما يستعصي على الفهم هو ما فعلته إنجي، الأمُّ المصرية التي عقدت ميثاقاً لم نرَ مثله، لا في الأفلام ولا في الروايات، ميثاقاً مرعباً، ينصّ على مذبحة جماعية لأولادها. كيف استطاعت ذبحهم وهي الكائن الأحنّ عليهم؟ كيف احتملت، وهي التي استعانت بشفرات حلاقة لذبح معظمهم، بكاءهم قبل قتلهم، واحتضارهم الطويل؟ رغم أنّها هي نفسها ضحية قسوة المجتمع، الذي صنع منها وحشاً، لكنّها كانت أقسى وبعذرٍ لا يبرّر ولو خدشاً، وهو إعفاؤهم من حياة شاقّة بعد وفاتها الوشيكة بسبب السرطان، وتوقُّف والدهم عن إرسال المبلغ الزهيد الذي يعطيهم إيّاه. الأب الذي هجر أولاده الخمسة شارك أيضاً في ذبحهم، وهو نموذج غير فريد في منطقتنا. ومع ذلك، كلّما كتبت إحداهن عن النفقة، وعن واجبات الأب أمام أولاده، سارع "الذكور" إلى شتمها؛ فهي تريد من الأب، "يا لجشعها"، أن يصرف على زوجته السابقة، هكذا ينظر هؤلاء إلى الأطفال، باعتبارهم أبناء زوجته. هي التي تقوم، في جلّ الحالات، بمهام انتحارية من أجل أن يكبروا بأقلّ قدر من الجراح، بالطبع، هنا لا أحد يكترث لتضحياتها، بل يعتبرونها أمَّاً عظيمةً لأنّها داست على نفسها لتعوّض ما تخلّى الأب عنه. مع ذلك، كيف ترى أمٌّ أنّ قتل أبنائها حلٌّ؟ إنجي نموذج لأبشع النتائج التي قد تأتي من إهمال الآباء لأبنائهم بعد الطلاق. وهو دليل صارخ على أنّ الأب الذي يتخلّى عن أطفاله يرتكب في حقّهم أبشع جريمة، ويجب على القانون معاقبته باعتباره طرفاً في هذه الجريمة بالذات. الآباء قليلون في مجتمعاتنا، الباقي هم آباء بيولوجيون، يصرفون فقط إذا كانوا متزوجين من الأمّ، ولا يربّي معظمهم أبناءهم، وعند الطلاق يهجرونهم، وهو أغرب انتقام في العالم، يُصبح فيه الأولاد عقوبةً للمرأة التي تختار الطلاق، أو عبئاً عليه إذا كان هو الذي سعى إليه، ليبدأ حياةً أخرى. ورواتب معظم الناس لا تغطّي احتياجات أسرة واحدة، لذا يضحّون بالأولى. هل قتلت إنجي أولادها بدافع الغضب أيضاً؟ كما فعلت بطلة مسرحية "ميديا" ليوربيديس، أحد أعظم كتّاب التراجيديا في اليونان القديمة. إذ قتَلت ميديا أبناءها انتقاماً من زوجها جايسون بعد خيانته لها وتخطيطه للزواج بأميرة. قتلتهم، ثم ارتكبت الفعل الأكثر وحشية. ميديا كانت أجنبيةً وامرأةً في مجتمع ذكوري، تعاني التهميش والخيانة. لكن هل يكفي ذلك لتقتل أطفالها؟ تُدرّس شخصية ميديا نموذجاً للأم التي رفضت أن يُستخدَم أطفالُها ضدّها، فخطّطت لقتلهم، وبكامل وعيها. وحين نتحدّث عن التراجيديا، فنحن نذهب إلى أقصى درجات المأساوية في الأدب، وهو ما فاقته جريمة قتل أطفال إنجي، التي هي جريمة شارك فيها أكثر من طرف، لكنّ الأم المنفِّذة هي من تتحمّل الذنب الأكبر، على الرغم من ذلك لأنّها اليد التي ذبحت. ولا يخفِّف ذنبها سوى أنّها كانت غالباً فاقدةً رشدها، مع أنّها خطّطت، وبالتالي تدفعنا إلى الشك في عذر القتل الانفعالي، كما أنّ الجنون لا يدفع إلى القتل بالضرورة. لكن ميديا لم تكن مجنونة، وكان وراء قتل الأطفال في المسرحية دافعٌ إضافي، هو الانتقام من الأب بتدمير نسله. في الوقت نفسه، يمكن فهمه باعتباره محاولةً للسيطرة على مصير أبنائها، كما فعلت إنجي وسيث، حتى لا يعيشوا في عالم ظالم. ربّما أرجعنا قتلَ أمٍّ لأحد أولادها إلى خللٍ مفاجئ في إدراكها، ولكنّ قتل عدّة أطفال صرخةٌ تدعو إلى إنقاذ الأمّهات، وهنّ آخر درع للإنسانية، لإنقاذ الأجيال المقبلة من هشاشة الدولة الاجتماعية وأنانية الأفراد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية